إسماعيل ياشا
إسماعيل ياشا
409

من يرفض التعايش؟

17/2/2017
أجَّجت أحداث 11 سبتمبر / أيلول وغيرها من الهجمات الإرهابية، مشاعر الكراهية والعنصرية ضد المسلمين في أنحاء العالم، وبدأت وسائل الإعلام تنشر تقارير وتحليلات تناقش فيها قضية التعايش السلمي وقبول الآخر والحوار بين الأديان والمذاهب والحضارات، كما نُظِّمت مؤتمرات وندوات ومحاضرات لتناول ذات العناوين. 
 

لا بأس في ترشيد المسلمين وتذكيرهم بحقوق الأخرين، وتعزيز مفاهيم الاحترام لحقوق الإنسان ونبذ العنف والاستماع إلى الرأي الآخر في المجتمعات المسلمة، على الرغم من أن التاريخ أثبت على مر العصور أن المسلمين ليست لديهم مشكلة في التعايش مع النصارى واليهود وغيرهم، كما أن الواقع المر الذي نعيشه يؤكد أن هناك آخرين بحاجة ماسة إلى مثل هذه الفعاليات والمعالجات النفسية وبرامج ترسيخ القيم الإنسانية.

هناك أمثلة كثيرة، لا تعد ولا تحصى، للأعمال العنصرية والتحريض ضد المسلمين والاعتداء عليهم لمجرد معتقداتهم أو ملابسهم. وتحدث كل هذه الانتهاكات في بلدان تحكمها أنظمة ديمقراطية تدعي الاحترام للحقوق والمعتقدات والتنوع الإثني والفكري والثقافي، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا وغيرها. وتشير تلك الأمثلة إلى وجود عدد كبير من مواطني تلك البلدان تملأ قلوبَهم مشاعرُ الحقد والعنصرية والكراهية، وتدفعهم لرفض التعايش مع الآخرين.

الاعتداء على مسلم بسبب التزامه بأوامر دينه، في مجتمع غالبية أفراده من المسلمين، لا يدل إلا على قوة مشاعر العنصرية والكراهية تجاه الإسلام والمسلمين,

ظاهرة الإسلاموفوبيا تنتشر في الدول الغربية في الآونة الأخيرة انتشار النار في الهشيم، في ظل صعود اليمين العنصري المتطرف، وتتعرض المساجد والمراكز الثقافية الإسلامية لهجمات المسيحيين المتطرفين. وتسهم التصريحات التحريضية التي يطلقها زعماء غربيون، مثل الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب وزعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية مارين لوبان، في انتشار هذه الظاهرة الخطيرة، وتصب الزيت على نار العنصرية والكراهية ضد المسلمين.

ولعل أسوأ أنواع ظاهرة الإسلاموفوبيا التي نشاهدها تلك التي تطل برأسها في المجتمعات المسلمة. لأن المعتدي على مسلم في المجتمعات التي لا يشكل المسلمون فيها الأغلبية قد يجهل سماحة الإسلام ووجهه المشرق أو يتجرأ على هذه الجريمة لشعوره بضعف الأقلية المسلمة، ولكن الاعتداء على مسلم بسبب التزامه بأوامر دينه، في مجتمع غالبية أفراده من المسلمين، لا يدل إلا على قوة مشاعر العنصرية والكراهية التي يحملها المعتدي ضد الإسلام والمسلمين.

وفي آخر مثال لهذا النوع من معاداة الإسلام في عقر دار المسلمين، قامت الاثنين الماضي امرأة تركية بالهجوم على فتاة محجبة ذات ستة عشر ربيعا، داخل حافلة ركاب صغيرة في مدينة إسطنبول.
وصاحت المرأة في وجه الفتاة وهي تركلها وتسحب الحجاب من رأسها قائلة: "أنتم إرهابيون، ويموت الناس بسببكم. لا يمكن أن تعيشوا في هذا البلد الذي أسسه أتاتورك. أنت لا يمكن أن تدرسي محجبة. يجب أن تموتي."

وبعد هذا الاعتداء الذي سجله أحد ركاب الحافلة وشاهده الجميع، ومواصلة المرأة هجومها على الفتاة، توجه سائق الحافلة إلى أقرب مركز للشرطة، وتم توقيف المرأة بناء على شكوى الفتاة، ورفعت القضية إلى المحكمة، وهي بدورها قضت على اعتقال المرأة ومحاكمتها بتهمة الاعتداء والتهديد والإساءة ومنع استخدام حرية التعبير والمعتقدات، بالإضافة إلى التحريض على الكراهية.

الكراهية التي أظهرتها تلك المرأة لم تكن مقتصرة على هذا الاعتداء فحسب، بل كشفت منشوراتها في مواقع التواصل الاجتماعي أن الاعتداء على المحجبات أصبح من ديدنها. وفي إحدى تلك المنشورات تدعو المرأة المعتدية على الفتاة صديقاتها إلى ضرب المحجبات وشتمهن والإساءة إليهن، وتقول "بصراحة، أضرب المحجبات منذ بداية عام 2000، وكنت قبل ذلك أشتمهن فقط. أنتم أيضا اضربوهن وحاولوا نزع الحجاب من رؤوسهن."

هناك أمثلة أخرى سبق أن حدثت في أماكن مختلفة، لتؤكد أن هذه الحادثة الأخيرة ليست فردية، بل هي نتيجة مرض نفسي وفكري يعاني منه عدد غير قليل من العلمانيين المتطرفين. ويرفض هؤلاء التعايش مع المسلمين الملتزمين بدينهم، لدرجة أنهم لا يحتملون حتى رؤية فتاة محجبة في مجتمع تصل نسبة المسلمين فيه إلى حوالي 99 بالمائة وفقا للإحصائيات الرسمية، الأمر الذي يؤكد أنهم هم من يحتاجون أكثر من غيرهم إلى برامج مكثفة في مراكز العلاج والتأهيل ليتعلموا التعايش والحوار واحترام حقوق الآخرين حتى يتخلصوا من مرض العنصرية والكراهية ضد المسلمين، قبل العودة إلى العيش بين ظهراني المسلمين.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة