أحمد السكسيوي
أحمد السكسيوي
291

نحو فهم إبستمولوجي لعلم القانون: تحديد إبستمولوجيا القانون (3)

17/2/2017
هل دارس القانون اليوم ينتج المعرفة؟ لعل هذا السؤال المستفز للأذهان نطرحه كمقدمة للكلام، بل إن سؤالا آخر يطرحه العقل، هل القانون علم؟ هل القانون يملك الاطار النظري؟. إن السؤالين الأخيرين لا نملك لهما جواب النفي، بل إن التاريخ قد يجيبنا في حقيقة الأمر بأن القانون أنتج إطاره النظري منذ مدة، لكن إنتاجه لهذا الاطار النظري قد امتلك المتأخرين ممن يدرسون القانون الآن، فأصبحت العقول المؤسسة للنظرية في القانون تستبد بعقول وأذهان المتأخرين، بل إن المتأخرين من دارسي القانون أصبحوا يعتمدون على النقل لا العقل، وهذا يطرح فرضية التشكيك في علمية القانون.
 

بالملاحظة، يمكن استنتاج وجود أزمة في القانون كعلم، وعندما تصبح العلوم عليلة، وانغمست في التقليد والجمود، فإن وضعها في ميزان الإبستمولوجيا أمر مهم وضروري.

لن نطيل النظر في إشكالية إيديولوجية للقانون، قد طرحها من قبل الأستاذ "ميشيل مياي" في كتابه مدخل لنقد القانون حول المعيقات "الإبستمولوجية" المؤثرة في القانون كعلم، وهذه إشكالية ذات بعد إيديولوجي، أي إن هذا الأستاذ حاول طرح منهج نقدي للقانون من خلال البعد الأيديولوجي المتحكم في صياغته، وفي تطبيقه، وتلقيه. لكن سنستفيد من نقده الإبستمولوجي المرتبط باستقلالية القانون في دراسته، وهذا المعطي الأول والتأسيسي للكلام حول الفهم الإبستمولوجي الذي نتوخاه في دراسة النص القانوني، ولعل من يطيل النظر مليا في الكتب والشروح المتعددة بالمغرب، سيجد هذه النظرة الأحادية لدارس القانون؛ فعندما تتم دراسة القانون المدني مثلا، فإنها تكون دراسة نمطية للنصوص دون ربطها بسياقات النشأة أو استحضار البعد الاقتصادي الذي تتحول بسببه الأبعاد المحددة للعقد مثلا، بل إن الذين يشرحون القانون اليوم أضحو يتناقلون المعلومات دون ضبطها أو تحديدها أو حتى فهم سياقاتها.

إننا اليوم نحتاج إلى تغيير نظرتنا للقانون، المتسمة بطابع الاستقلال والأحادية، واليوم بالملاحظة، يمكن استنتاج وجود أزمة في القانون كعلم، وعندما تصبح العلوم عليلة، وانغمست في التقليد والجمود، فإن وضعها في ميزان الإبستمولوجيا أمر مهم وضروري، حتى نتمكن من إصلاح الأعطاب التي تتخبط فيها العلوم. والإبستمولوجيا، على وجه العموم، تحيل إلى نظرية المعرفة، أي العلم الذي يبحث أساسا في العلم وفي شروط إنتاجه، ويمكن ضرب مثال حول نظرية المعرفة، من خلال البحث الذي قام به الأستاذ "عبد الله ابراهيم" حول علم الاجتماع في إطار النسق العربي الذي يعاني من درجة استيعاب الاتجاهات والنظريات المحيطة بعلم الاجتماع الاتية من الغرب، وهذا معيق حلله وبينه من خلال الإبستمولوجيا، أي إن الإبستمولوجيا تعيد التفكير في العلم، وتوصيفاته، وحدوده.

وهذا ما نحاول أن نظهره في علاقة الإبستمولوجيا بالقانون، فلما أصبحت أزمة القانون من وجهة العلم جلية للعيان، فان إظهار مشكلاته لن يتأتى إلا من خلال الإبستمولوجيا، هذه العلاقة تتيح التقاء القانون بعدة علوم أخرى وهي علوم لا يمكن الاستغناء عنها في دراسة القانون. وتجاوز النظرة الشارحة للقانون أو النظرة الوصفية للنصوص القانونية من خلال المحددات الداخلية والمستقلة عن النص القانوني، لا تتحقق إلا بالإيمان العميق بوحدة المعرفة، أو قل هو الترابط الإبستمولوجي بين القانون والعلوم الاخرى. 
 

يتساءل الفلاسفة، وعلماء الرياضيات، والبيولوجيون، والمؤرخون، والسوسيولوجيون باستمرار عن وظيفتهم الاجتماعية، أما رجال القانون فيتابعون بهدوء دراسة القوانين والأحكام القضائية حسب منطقها الداخلي،

والكتابات التي تعنى بنظرية القانون تبتدأ كلامها بعد التعريف وتبيان خصائص القاعدة القانونية، بالكلام حول علاقة القانون بالعلوم الأخرى، وغالبا ما يطلق عليها علوم مساعدة، وهذا التوصيف نخالفه، على اعتبار أن إطلاق مصطلح العلوم المساعدة -هكذا- يعطي انطباعا حول عدم أهمية هذه العلوم، أو قل إنها علوم ثانوية، ثم إن هذا التوصيف يُستنتج منه أيضا عدم تعمق النظر لدى هؤلاء الذين يشرحون القانون في العلاقة بين القانون والعلوم الاخرى.

بل إن الذي يزيد من حيرتنا هو أن البعض يميز بين العلوم القانونية والعلوم الأخرى، وتحديد العلوم القانونية في شروحاتهم يتم من خلال التمييز التقليدي بين القانون العام والخاص، ويصبح المتلقي معها لا يعلم ماهي العلوم القانونية، وفي حقيقة الأمر، إن القانون بلا وسائل علمية ذات طبيعة اجتماعية ومنطقة وفلسفية ولغوية وأصولية لا يصبح علما. إن اليوم ما يعرف به أصحاب المداخل القانونية والعلوم القانونية لا يصح؛ فلا يمكن القول مثلا أن القانون المدني علما، دون استحضار الوسائل التي ستحلله لنا من علم التاريخ الذي يبرز أصوله (النشأة)، وعلم أصول الفقه (لاظهار علاقته بالفقه الاسلامي)، وعلم الاجتماع (لتيبيان أثر تلقي القانون المدني في النفوس والمحاكم لتصحيح أخطائه وعلله)، وعلم المنطق (لإبراز وإظهار مآلات هذا القانون في القضاء، ومنطق تعامل القاضي معه)، وعلم اللغة (لتحليل النصوص داخليا وربطها بالواقع).

إذن؛ إن التحديد المفاهيمي لإبستمولوجيا القانون يحيل إلى الاعتبارات التالية: - تجاوز النظرة التجزيئية للقانون: أي عدم اعتبار القانون دراسات تخصصية تجزيئية تفرغ القانون من مضمونه ودلالاته، فمثلا لا يمكن دراسة التحصيل الجبري دون البحث في القانون التجاري والمدني، وكذا الحجوز في إطار قانون المسطرة المدنية، واليوم يتم تلقي القانون على أنه مجالات متفرقة عن بعضها البعض. ولما يتعمق دارس القانون في مجال ما، يصطدم بهذا التمثل التجزيئي المترسب في ذهنه، ويصبح غير قادر على ربط المعرفة المتجزئة التي تلقاها، بل لا يستفيد أبدا من المقاربات الأفقية للقانون.

- النظرة الشمولية للقانون: يحيل الاعتبار الأول إلى اعتبار ثان مرتبط بمحاولة دراسة القانون في إطار شمولي، أي محاولة الانطلاق من الكليات، أو المنطلقات المركزية للتحكم بالنظرة الجزئية في ما بعد، وهذا يحتاج من الدارس أمرين: الأمر الأول تجاوز النظرة الثنائية للقانون من خلال قانون عام وخاص، أو على الأقل محاولة نقد هذه الثنائية، الأمر الثاني وهو نقد المسلمات المدروسة في ما سبق، أي تلك المنطلقات والمبادئ، أو البداهات الأولى التي بني عليها القانون، مثلا محاولة دراسة خصائص القاعدة القانونية دون التسليم بها مطلقا أو ممارسة الدغمائية عليها.

- الاتصال المعرفي بين العلوم أو الدائرة التداولية لعلم القانون: أي اتصال القانون وعلوم أخرى تخرج القانون من اللاعلمية إلى العلمية، وقد سبق أن تناولناها في أول مقال تأسيسي لهذا الفهم الإبستمولوجي، وسنعمل في المقال القادم على تناولها وتحديد المقصود بها بطريقة أكثر عمقا. نخلص إذن إلى القولين التاليين، الأول للأستاذ "نجيب بودربالة" والثاني للأستاذ "ألان سوبيو" ونترك للقارئ حق التحليل والتأويل في إطار ما تم التأسيس إليه مسبقا: فأما القول الأول: "... يتساءل الفلاسفة، وعلماء الرياضيات، والبيولوجيون، والمؤرخون، والسوسيولوجيون باستمرار عن وظيفتهم الاجتماعية، أما رجال القانون فيتابعون بهدوء دراسة القوانين والأحكام القضائية حسب منطقها الداخلي، ... لا تقاس أهمية القانون بعدد النصوص المنشورة في الجريدة الرسمية، فخارج المدن الكبرى، نكتشف أن قوانين الجريدة الرسمية لا وجود ملموس لها ...". (نجيب بودربالة)

وأما القول الثاني"...إذا قلت "أ" تساوي "ب"، يستنتج من ذلك أنه في كل الوضعيات التي توجد أ زائد ب تساوي أ زائد أ تساوي ب زائد ب. إن تطبيق هذا المنطق على المساواة بين الجنسين يعني؛ إن الرجل هو المرأة والعكس صحيح؛ غير أن المساواة بين الرجال والنساء لا تعني أن الرجال نساء، حتى وإن جاز لهم تمني ذلك أحيانا، إن مبدأ المساواة بين الرجال والنساء هو من أثمن فتوحات الغرب وأكثرها هشاشة، ولن يدوم تجذره إذا استندت هذه المساواة إلى الطريقة الرياضية.". (ألان سوبيو)

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

سَلامًا أيُّها الوَطَنُ الذّبيحُ

مُهداة إلى الّذين يحاولون أنْ يتنفّسوا الحريّة في طوفانٍ من الدّماء وَيا بَرَدى (دِمَشْقُ) تَهُونُ؟! كَلاّ أَعَنْ وَجْهِي - لِغُرْبَتِها - تُشِيحُ حَوارِيْها الحَوَارِيُّونَ فِيها تُعانِي ما يُعانِيهِ المَسِيحُ غَدًا سَتَقُومُ لا عَجْزًا تراخَتْ

966
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة