علي محمود الأحمد
علي محمود الأحمد
519

الأخلاق بينَ الموروث والقيمة

19/2/2017
يحاول الإنسان - بصورة تمردية - التملصِ من فطرتهِ، والنوء عن التشريعات الخُلقية، المتزامنة مع خلقتهِ الأولى وفطرتهِ السليمة، إلى فُسحِ الحرية المطلقة - تبعاً لما يدعي - دون وعي منه، ودونَ إدراك أنَّ هذا التملص يبدو تملصًا مهترئًا من حيث المنطلق الذي ينطلق منه، فكلما حاول الإنسانُ الابتعاد عن الضوابط الفطرية، التي ترعى إنسانيته كفردٍ، وتُنظمَ العلاقات في عمق الجماعة البشرية، عَمَدَ إلى نَظْمِ مجموعةٍ من الضوابط والتشريعات البدائية -من ثمار أهوائه- لينتقل من ضوابط أرقى إلى ضوابط أدنى دونَ أي علمٍ أو درايةٍ! 


وجوهرُ الهروبِ هذا ليس إلا رفضًا لمجملِ الحدودِ أو التشريعات، فحريةُ الإرادة -تبعًا لهواه- تنطوي في إرادة الأمرٍ، سواءَ أخالفَ عُرفَ الفطرة وتكوينِ الخلق الإنساني أو وافقهُ. وتكون جميعُ الضوابطِ التي يصنعها الإنسانُ -الهاربُ- ليست سوا تشريعات وضوابط في الجهة المعاكسة والمضادة للضوابط البناءة، فقبل هذا كانت الضوابط تشمل نماء كل ما وافق الفطرة، وتماشى في ترسيخ أمان المجتمعات البشرية، أما في البناء المُعد من قبل الإنسان -الهارب- ففد أصبحت الضوابط تشمل جزءًا كبيرًا مرتبطًا بالهوى، ومخالفًا للفطرة، وموافقا للأهواء، دونَ النظر في أحقيةِ المجتمع البشري للنماء وسطَ فطرتهِ السليمة.

 الحجاب كقضية أو كقيمة مجتمعية ضرورية بات مفرغاً من جوهره القيمي المفروض من أجله، له أشكاله وتعداداته وصوره المرافقة لكثير من المفارقات بينَ غايته وهيئته!

بالنظر المقارن في عمق المجتمعات العربية وآليات البناء الثقافية فيها، فإن فئة الشباب يختلف تكوينها الثقافي والتربوي باختلاف الحدودِ "السايكس بيكيه"، وبناءً على بعض المعطياتِ المطروحةِ في حدود مجتمعاتهم، وطريقة فهمهم للجوانبِ التربويةِ والدينية أيضاً. مع ملاحظة أن محاور التكوين الثقافي والتربوي في أي مجتمعٍ من المجتمعات تتحدد بـالبيت، المدرسة، الجامعة، ويضاف على المجتمعات العربية "المسجد" كبنية مسلمة للمجتمعات التي نتحدث عنها، ومن خلال هذه المحاور يتم وضع اللبنات الأولى والمكونة للثقافة القيمية والتربوية لدى أي فرد أو مجموعة في المجتمع.

ويمكننا ملاحظة نمو التكوين الثقافي الذي باتَ إتمامه بعيداً عن التوازي بين محاور التلقي، فالشباب يتلقونَ قيمهم وقيمتها من وسط ليس كفؤا لتوريث هذه القيم بالصورة القيمية الكبرى، فهو محور لتلاق يهدد القيم فقط وتعارفها ونضجها ليس أكثر؛ ولذلكَ فإن الشباب يتلقى من القيم قشورها دون وعي بقيمتها، فيؤدي لاختفاء قدرتها على الصمود أمام أي ضاغط أو طارئ، فمثلاً الحجاب كقضية أو كقيمة مجتمعية ضرورية بات مفرغاً من جوهره القيمي المفروض من أجله، له أشكاله وتعداداته وصوره المرافقة لكثير من المفارقات بينَ غايته وهيئته، ومحوريًا يعني هذا أن المفهوم التراكمي الموروث للحجاب فاقَ المفهوم القيمي المفروض، مما كوّن فجوةً بين مبتغاهُ وبين الالتزام به.

وعلى المستوى ذاته فإننا نرى أن مفهوم القوامة والإمامة بالنسبة للرجل أصبح مفهوم تبعية عمياء لهوىً غير منضبط وغير واعٍ، فأفرغَ المفهوم من قيمته كمفهوم قدوة وتقديم. وهنا يتم تنشئة جيل عاجز عن الدفاع عن قيمه الأخلاقية أمام كم الضعف هذا الذي تتصف به المكانة القيمية لأخلاقه ومبادئه، فيصبح متراخيا ومتخليا دون أدنى تأنيب أو عودة بعد الخطأ، ويكون المجتمع مهددا بالانحلال على مرِّ الوقت وعلى تكرارية المواقف وعبثيتها، فيصبح لا دور فعال لأي محور من محاور التكوين التي ذكرت سابقاً، مما يصبح المعنيون في خطر أكبر لمواجهة خطر الخسارة الأخلاقية للأمة، وفي إعادة الثقة بالأخلاق على أنها الموازن الأول لضوابط النفس البشرية وتوجهاتها، والذي يشكل بشكل أو بآخر البناء النهضوي الأول أو الأهم لدى جيل الأمة وطبقاتها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة