أحمد نعيرات
أحمد نعيرات
3 k

تحولات الحركات الإسلامية.. إلى أين؟!

19/2/2017

لا أحد منا يستطيع أن يُنكر الإصلاح الرهيب الذي أحدثته الحركات الإسلامية -حركة الإخوان المسلمين وحماس على وجه الخصوص- على مر التاريخ، ولا أحد يستطيع أن يُنكر عِظَم التضحية التي قدمتها هذه الحركات في سبيل الحرية والتغيير، أو على الأقل في سبيل أفكارها الإصلاحية، ولكن يبقى السؤال الذي لا بدّ من الإجابة عليه، ولا بدّ من الوقوف عليه، ولا بدّ من إنهاء جدله الذي طال بين أبناء هذه الحركات لاسيما بعدَ حادثةِ مصر الأخيرة، ألا وهو إلى أين؟! وماذا بعد؟!
 

إنّ من يبحث ويقرأ يُدرك تماما بأن الفكرة الأساسية للحركات الإسلامية هي فكرة "عالمية شمولية إسلامية"، تستمد قوميتها من إيمانها بهذا الدين وهذا الرسول -عليه الصلاة والسلام-، وقوميتها هذه هي من تحدد هويتها بالطبع لا حدودها الجغرافية! ولهذا نرى الحركات الإسلامية على مر التاريخ كانت ترفض أن تقتصر هويتها على نطاق ضيق كـ "فلسطيني" أو "جزائري" مثلا، فمنذ متى كان هناك دولة اسمها فلسطين، ومنذ متى كان هناك دولة اسمها "كذا وكذا" لتُعتبر مرجعية وهوية؟!
 

وعندما تكون هذه الدولة عبارة عن مزرعة ومرتعة لمجموعة من الهمل والفَسَدَة، وافتخرنا بوطنيتنا فيها فنحن جزء من هذا الهمل، ونحن عبيد لهذه الزُمرة! وعندما يكون الوطن تديره عصابة كما هو حاصل في العالم العربي، وافتخرنا بالقومية واحتفلنا بالعيد الوطني نحن عبيد لهذه العصابة! إنما هي "العالميةُ والأُمة"، وهذا من أكثر ما مَيَّزَ هذه الحركات عن غيرها، ومن يقرأ ويبحث في مواثيق وبدايات هذه الحركات يدرك تماما بأن هذه هي الفكرة الحقيقية التي قامت عليها. ولكن ما الذي حصل؟! وأين هم من هذه الفكرة؟! ولماذا نجد اليوم الكثير من الإسلاميين تحت تأثير الصدمة التي تعرض لها الإخوان في مصر بدؤوا بمراجعة الفكرة ومدى التزامهم الحقيقي، وهنا لا بدَّ من إجابةٍ شافية!
 

الفكرة الأساسية للإسلاميين أن الله أوجدنا في هذا الكون لكي نعبده، ونتقرب إليه عن طريق تطبيق شريعته، لا أن يُصلحوا نظاما بيروقراطياً فاسداً، أو أن يضعوا بعض الديكورات الإسلامية على نظام مأساوي.

ولِأكونَ مُنصفاً، لا يوجد أحد يعيش هذا الواقع المرير يستطيع أن يُنكر صعوبة الوضع السائد، والضغوطات العِظام التي تتعرض لها هذه الحركات، وقد ألتمِسُ عُذرا لكل من يجتهد من قادة هذه الحركات في بعض الأمور، ولكن المشكلة الحاصلة هي الاجتهاد والتنازل عن الفكرة الأساسية وهذا منافٍ لكل قواعد المنطق! لأن التغيير لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يحصل بالفكرة! فالفكرة هي سبب الوجود وسبب القيام! والفكرة هي التي ناضل الآلاف من أجلها ومن أجل بقائها! وتنازلك عن الفكرة يعني تنازلك عن هويتك وتاريخك الأصلي! وللأسف هذا الذي حصل مع الكثير من هذه الحركات!
 

فعندما أتنازل عن فكرتي بأن الدين هو مرجعيّتي -وهذه نقطة مهمة جدا للغرب- فبالطبع سيصلُ بي الحال إلى أن أقبل بالعلمانية التي تسببت في مجتمعاتهم بمأساة إنسانية! وكما نعلم لا يمكن لِأي إسلامي على الإطلاق بأن يقبل بالعلمانية، ولا حتى بِمستوى من مستويات العلمانية! ولذلك استغرب من قادة هذه الحركات الذين يقولون نحن نريد أن نفصل الدعوة عن السياسة! بربك أخبرني ماذا يعني أن تفصل الدعوة عن السياسة؟!

أخبرني بربك كيف سيصبح الشيخ عبد الفتاح مورو سياسي لا دعوي وهو الذي يلبس الجبة والعمامة؟! أخبرني بربك كيف لا يبدأ أي إسلامي خطبته بالبسملة وتذكير الناس بالله وضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! ومن ثم أخبرني بربك لِم رفضت هذه الحركات فصل الدين عن الدولة من الأساس إن كانت ستصل لهذه النقطة؟! لأنه ببساطة مطلقة أنت عندما تقول أنك تريد أن تفصل الدين عن السياسة فأنت تتراجع عن فكرة من أجلها قُمتَ بالأساس وهنا تكمن الطامة!
 

لا أستطيع إنكار إمكانية التعايش مع بعض التكوينات في أماكن معينة إلى حدٍ ما، فهذا واقعٌ فُرض ولا تعارض، لكن الفكرة الأساسية للإسلاميين أن الله أوجدنا في هذا الكون لكي نعبده، ونتقرب إليه عن طريق تطبيق شريعته، لا أن يُصلحوا نظاما بيروقراطياً فاسداً، أو أن يضعوا بعض الديكورات الإسلامية على نظام مأساوي في هذا البلد أو ذاك!
 

بالنهاية، ما أقوله قد لا تستطيع أن تغير الآن وهذا ليس بعيب، ولكن على المدى البعيد لا بد أن يكونَ الهدفُ واضحا، ولا بد للفكرة أن تبقى ثابتة، والتغيير يكون بالآليات، لا بالأفكار والمبادئ، ولا ننسى أبدا أن المطلوب أُمة إسلامية تقوم من هذه الغفوة وهذه الكبوة، والسُبات العميق التي هي فيه، لكي تقود الإنسانية إلى ما هو أفضل لها، ولكن كيف لهذا أن يتم ونحن نتقوقع في دوائر محلية ضيقة، "الجزائري يهتم بالجزائر، والفلسطيني يهتم بالفلسطيني وفقط"؟!

لا يا عزيزي القضية قضية أُمة! قضيةُ شريعة! قضيةُ فكرة! فلا بد من عودة ومراجعة، فوربي ما هذا بطريقِ إصلاحٍ قط! وشتان بين هدفٍ سامٍ كَهذا، وبين تقوقعٍ لن نجني مِن خلفِه سوى علمانيةٍ مقيتة!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة