قويدر غريس
قويدر غريس
5.8 k

قرآن هجرتُه.. ثمَّ تلوتُه فوعيتُه

19/2/2017
اقتبست هذا العنوان من حوار الحجاج بن يوسف الثقفي حينما سأل فتى من الخوارج كان تلميذا للحجاج "أحفِظت القرآن؟" فأجاب الفتى "بل قل.. أَوعيت القرآن في صدرك؟".. ويتضمَّن نوعا من التعقيب على مدونة "قرآن هجرتُه" التي نُشِرت سابقا.
 

قال صديقي، قبل زمن ليس بالبعيد: لم يكن لي في تلاوة القرآن إلا حظ زهيد.. ولم أكن أحفظ منه إلا ما أصلي به صلاتي ولم أكن أقبل عليه إلا من رمضان لآخر.. أحمل فيه مصحفاً في المسجد وأستند إلى الحائط، أدفن رأسي بين رُكبتاي، أتلوا منه القليل على استحياء من شهر رمضان.. أقرأه ولا أعيش معه من غير تفكر أو تدبر.. أقرأ الآيات سريعاً هكذا وكأنها لا تعنيني.. أمُرُّ على التهديد والوعيد دون إشفاق وعلى الجنة ونعيمها دون اشتياق فكنت مِمن "اتَّخذوا هذا القرآن مهجورا" وزهِدتُ في أن أكون مع من "يتلونه حقَّ تِلاوته"..

وما ينفك الشهر ينقضي حتى تعود فترة الهجر والبُعاد وأنسى القرآن الذي هو للدين عِماد.. وإذا ما بالمصادفة مررت على إحدى المحطّات تَعرِضُ للقرآن عذب التلاوات تجدني أنتظر القارئ حتى يتوقف ليأخذ نفَسَه حتى أغير القناة. ظلَّت هذه الفجوة بيننا سنوات تتلوها سنوات.. والهجر على حاله أو ربما يزيد على ما فات..

لقد اخترت أن يكون القرآن مهراً لفتاة قلبي بها تاه.. ربّاها والداها وبجمال القرآن جمَّلاها فلم يعد لها في الرجال أكفاءً إلا من بالقرآن أتاها وكُلَّما سمِعَ حَيْ عَلةً إلى الصّلاة لبّاها ليجعل لها في سُجوده

هكذا مثل كثير من الناس بِبُعدِنا عنه لا نشعر بِلذة الحياة كأننا أموات.. ولأن الله يهدي من يشاء فقد هيّأ لي أسباب الهداية فتغيرّت اهتماماتي وصُحِّحَت الغاية فالآن يا صديقي قد مزّقت صفحات الفراق.. وبتُّ مع القرآن في اتفاق.. وإني وأنا جالس معك إلى قراءة وردي لمُشتاق.. أتلوه بحب وأقبل على مصحفي بعناق.. مُصحفي معي أينما حلَلْت، لأي بلاد ارتحَلت، أراجعه وأتذكّر منه ما نُسِّيت، أتدبره وأتعلم منه ما جَهِلت.

لا أغفل عنه طرفة عين.. هذا لأن القرآن له عزّة إذا لم تجعله عندك مقدماً وفي حُبِّك له مفْرِطاً صار هو فيك مفَرِّطاً وعنك مستغنياً.. يضرب المغاربة مثلا في شدّة الحرص على القرآن فيقولون ".. مثل القرآن كمثل الضيف شديد الحياء يقف عند بابِك بخجل إذا سهوت عنه قليلاً ذهب عنك خلسة". بل إنه صار معي في شتى مجالسي وحواراتي.. أقتبس منه وأتكلم بآياته وأُحاجِجُ به في مُناظراتي.. كتاب يعطيني أضعاف مما أعطيه فإن زدت له أنا في عطائي زاد عني هو فيه.

ثمَّ إني إذا صادفت أناساً في الاهتمام به مقصِّرون وفيه مفرِّطون -على شاكلتي القديمة- أشعر بغرابة الأمر.. وأحمل رأسي على كفَّيّ متسائلاً أهُناك فعلاً من يستطيع الغياب عن القرآن أو أن يغيب القرآن عنه فأتذكر قول الله تعالى "كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ "، "وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ" وكيف أتَولى الآن وأهجُر القرآن بعد أن أذاقنا الرحمن حلاوة الإيمان وكلام ربِّنا المنان ليس هذا حالي فقط بل هو حال كل من لازم القرآن مدى الأزمان.

أأزيد يا صديقي على ذلك! لقد اخترت أن يكون القرآن مهراً لفتاة قلبي بها تاه.. ربّاها والداها وبجمال القرآن جمَّلاها فلم يعد لها في الرجال أكفاءً إلا من بالقرآن أتاها وكُلَّما سمِعَ حَيْ عَلةً إلى الصّلاة لبّاها ليجعل لها في سُجوده دعوة صادقة عسى أن يُلقّاها "وما يُلقّاها إلا الذين صبروا وما يُلقّاها إلا ذو حظٍ عظيم". فتاة إذا أطلت في ليلة حالكة كأنها القمرا.. تفوح من طلعتها الغرّاءِ عنبرا.. عسى أن يكشف لِيَ الصباح عن ثغر لها بسيم إذا أسفرا.. من دونها أرى العالم كلّه قَفراً.. وكل النساء من بعدها صِفراً.

فتاة كتمت مشاعري نحوها لثمان سنوات وأنا أقاسي.. كلما كَبِرت كَبُرَت مشاعري معي حتى غدا ثوب الحب على مقاسي.. كل هذا أخفيه في صدري وهي لا تعلم شيئاً مما أُآسي.. إذا ما المصادفة رأيتها تسارعت نبضات قلبي واضطربت أنفاسي.. وحده الله يعلم وهذا يكفيني الآن! لست أنا ولا هي ممن يجتمعون على غير شرع الله أو يتشدقون بحب زائف واهن "وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت".

وإذا كان الله قد قدَّر الأقدار قبل خلق الخلق والملائكة الأطهار وأن ما ليس لنا لن نناله ولو اجتهدنا في جلبه وما هو لنا سعى إلينا وإن لم نسعى لأجله، إذاً لماذا أسعى إلى رزقي بالحرام.. وإنما هي عاطفة مُـتَّزنة استقرت في القلب محفوفة بخشية الله تعصِمُ الجوارح وما أملك.. أما الروح والقلب والخيال فيهمون حيث لا زمان ولا مكان ولا حدود ولا قيود إلى حيث تُبنى الأحلام الأفكار وما كُتِب للأعمار لا أنكِرُه فأنكِرُ ذاتي وماهيتي ولكن أحوطه بالعفاف وأصونُه بالتُّقى وأحفظه بالوفاء.. تدور الآن كلمات أغنية سمعتها في صغري "أنا راني صابر ونتي كيفي ثاني ما درناش ذنوب..".

غَنيمَةٌ تلك الفتاة غرَّة اليمين.. بين الحين والحين يرحل قلبي إليها والحنين يخفيه صدري ولا يكاد يُبين ولو تمعنت النظر يا صديقي لوجدته موسوماً على الجبين، فاللهم يا رب أبرد لاعِج القلب بثلج اليقين..

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

سَلامًا أيُّها الوَطَنُ الذّبيحُ

مُهداة إلى الّذين يحاولون أنْ يتنفّسوا الحريّة في طوفانٍ من الدّماء وَيا بَرَدى (دِمَشْقُ) تَهُونُ؟! كَلاّ أَعَنْ وَجْهِي - لِغُرْبَتِها - تُشِيحُ حَوارِيْها الحَوَارِيُّونَ فِيها تُعانِي ما يُعانِيهِ المَسِيحُ غَدًا سَتَقُومُ لا عَجْزًا تراخَتْ

1 k
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة