الساعد الفضي فنتازيا المتوسط

24/2/2017
عندما تقرأ رواية الساعد الفضي للكاتبة الإيطالية جوليانا برلنقويلر؛ لا يمكن إلا أن يتملكك شعور بالفتنة والانبهار، فعلاوة على الحس الفني المرهف الذي تحلت به ونضجها الأدبي العالي، فقد وظفت الكاتبة مهاراتها السينمائية في إخراج مشاهد وأحداث الرواية عبر دقة الحبكة القصصية وسلاسة الانتقال بين الأحداث ومتانتها، فلا عجب في كل ذلك، فعندما تجتمع المواهب الأدبية بالمهارات الإخراجية يتفجر الإبداع لينثر شظاياه على كل تفاصيل الرواية، فجوليانا هي قبل كل شيء مخرجة سينمائية والرواية فُصلت على مقاس سيناريو فيلم ناجح.

ما يُلفت الانتباه للرواية ليس فقط قدرة الكاتبة على شد القراء إليها من أول سطر إلى آخر سطر، إنما المقاربة التي اتخذتها للحديث عن أخبار البلدان المطلة على ضفاف البحر الأبيض المتوسط مقاربة فيها رغبة في التقريب في وجهات النظر، ودعوة إلى الانفتاح على الآخر الذي يظل دائما محور تخوف وقلق وأطماع.

لم تدخر الكاتبة جهدا في التعريف بخصائص كل من الجزائر الجناح الغربي للدولة العثمانية آنذاك، والقابعة جنوب المتوسط إسبانيا، مكتشفة العالم الجديد ومنابع الثروة فرنسا زعيمة الدبلوماسية بامتياز، وإيطاليا حاضنة الفاتيكان، بالإضافة إلى حركة الملاحة البحرية التي شهدت بروز حركة القرصنة، تلك الحركة التي عرفت زعماء لعل أهمهم عروج وخير الدين بربروس.

لم تخرج الرواية عن سياقها التاريخي، غير أنها طُعمت بنكهات الثقافات وعبق البلدان التي تجولت فيها فأخرجت رحيقا زكيا، وطيبا يغذي نهم القارئ المشتاق إلى مثل هذة الأحاديث الخالية من الوقوف على الأطلال والبكاء على المجد الضائع، أو تلك القصص الموغلة في تصوير الملوك على أنهم زير نساء أو التي تصور مكائد الجواري داخل الحرملك.

تحكي الكاتبة القرصنة التي مثلت حالة حرب مزمنة لونت الأبيض المتوسط طوال قرون من وجهة نظر ثقافية واسعة سخية.
لقد انتشرت في السنوات الأخيرة الأعمال الدرامية التي تتناول الحديث عن الحكام زمن الخلافة العثمانية، فنجد مسلسل حريم السلطان بأجزائه المتعددة والذي تطرق للحديث عن سليمان القانوني، كما نجد مسلسل سراي عابدين، والذي تناول حياة الخديوي إسماعيل، إلى جانب مسلسل الملك فاروق وغيرها من الأعمال الأخرى التي أثارت الجدل وأسالت الكثير من الحبر لما احتوته من أحداث تتراوح بين الخيالي والحقيقي، فلو كانت نوايا المشرفين خالية من أي نية لتلويث التاريخ ونقله بغير نزاهة وبدون أمانة، لماذا لا يتم تخصيص مسلسل أو فيلم للحديث عن خير الدين باشا المصلح التونسي والصدر الأعظم، أو لماذا لا يتم إنتاج عمل يصور حياة السلطان عبد الحميد الثاني الذي رفض التفريط في فلسطين مقابل تسديد كل الديون الموجودة في ذمة الدولة العثمانية يوم كانت تُسمى الرجل المريض.

كلها تساؤلات مبهمة قد تتعدد التأويلات حولها، بيد أنها تنم عن ابتعاد الثقافة في وطننا العربي عن معاني الإصلاح والمساهمة في رقي المجتمعات عبر بث مادة هادفة ومحتوى موضوعي يعالج قضايا العصر والماضي بكل موضوعية بعيدا عن الحسابات الضيقة، والأجندات المسقطة. أو لماذا لا يتم تصوير مسلسل أو فيلم عن حياة خير الدين بربروس جهبذ الأساطيل البحرية في عصره وزعيمها. وفي ذات السياق يمكن ملاحظة ظاهرة الإنتاج التلفزيوني المستوحى من أدب السيرة والمذكرات السياسية والعسكرية والذي جمع الغث والسمين وأضحى أقرب إلى أن يكون فورة سلعة من أن يكون كشفا لظروف المرحلة واستخلاص للعبر.
 
وجدير بالذكر أن ترجمة رواية الساعد الفضي كانت مبادرة قامت بها الإدارة العامة للعلاقات الثقافية بوزارة الشؤون الخارجية الإيطالية . إن لاختيار هذا الإنتاج أكثر من معنى، فالساعد الفضي يروي قصة إعادة تعرف متبادل بين ضفاف البحر الأبيض المتوسط، قصة طرف يكتشف مذهولا الطرف المقابل، فيكتشف جودة فنه وعمق علمه ويتعرف على ثقافة كان يظن أنها ثقافة عدوة إن لم نقل متوحشة، فعالم القرصنة والقراصنة بأسرارهم ومتمرديهم ورهائنهم في الضفة والضفة المقابلة بمبعوثيهم وسفرائهم كل هذا العالم الذي يبرز جليا وبدقة من خلال رواية جوليانا برلنقوير نتيجة اختلاط الشعوب وتمازج الحضارات.

الترجمة علامة فارقة في تاريخ التقارب والتلاقح بين الشعوب، فهي الآن حاجة ملحة لإماطة الشبهات التي تحوم حول بعض الشخصيات وبعض الأحداث عبر التاريخ العربي برؤية معتدلة.
يكتشف الأسرى عظمة من استولى عليهم ويحمي الأسياد علم أسراهم ويتصادم المسيحيون والمسلمون، لكنهم يتبادلون اكتشاف بعضهم في دهشة إثر سقوط أفكارهم المسبقة الناتجة عن جهلهم المتبادل لبعضهم، فتحكي الكاتبة القرصنة التي مثلت حالة حرب مزمنة لونت الأبيض المتوسط طوال قرون من وجهة نظر ثقافية واسعة سخية؛ تشهد سقوط كل الحواجز والأحكام المبيتة التي تراكمت حول هذا البحر الأم، وفي ضوء نظرة حرة صادقة إلى كل ما يحدث يوميا إلى ما يعيشه الناس في براءة بما لديها من شاعرية رهيفة وإنسانية كبيرة..

ولقي اختيار الإدارة العامة للعلاقات الثقافية بوزارة الشؤون الخارجية الإيطالية تجاوبا من قبل أليف: دار النشر المتوسطية، وتحمسا من قبل محمد الحساني المترجم، لتصل رسالة هذا الإنتاج إلى الضفة الأخرى، وحتى تتمكن شعوب المتوسط التي لا تزال تبحث عن هويتها الماضية من التعمق في فهم حاضر يدفع بها حتما إلى التقارب والتفاهم. هذا ما أدلى به ميشال بروندينو مدير المعهد الثقافي الإيطالي، معلقا على الرواية وهو ما يمكن فهمه من خلال أحداث الرواية وسياقها.

وعليه فإن من المهم التشجيع بادئا ذي بدء على إنتاج أدبي ومرئي على حد سواء ينهض بمستوى الوعي الجماعي للمواطن العربي، ويعكس صورة كاملة وواضحة دون تزييف للماضي والحاضر، ودون مغالاة، كما أن الترجمة علامة فارقة في تاريخ التقارب والتلاقح بين الشعوب، فهي الآن حاجة ملحة لإماطة الشبهات التي تحوم حول بعض الشخصيات وبعض الأحداث عبر التاريخ العربي برؤية معتدلة واستنادا إلى معطيات موثقة وعلمية.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة