مقارنة بين نشوء ظاهرة الإلحاد غربياً وعربياً

25/2/2017
لم يكن ظهور الإلحاد في البداية ظاهرة مستقلة أتت من تلقاء نفسها، بل كانت ردة فعل على حال المجتمعات الأوروبية في القرون الوسطى حيث كان تسلط الباباوات والقساوسة على الناس بحجة أنهم يستمدون سلطتهم من الإله مباشرة، ولذلك انتشرت صكوك الغفران ومعاداة الفكر والعلم، وأيما عالم أو مفكر قرر أن يخرج من قمقمهم وأن يوضح حقائق علمية للناس مبنية على التجربة والاختبار والملاحظة؛ فكانت الكنيسة تقف في وجهه، بل تعدى الأمر لاتهام بعض العلماء بالهرطقة ووضعهم على السفود كما في حالة الفيلسوف الإيطالي جوردانو برونو، والذي اتهم بالهرطقة وذلك لقوله بأن الكون لانهائي، وأنه لا يوجد مركز للكون مخالفا الاعتقاد السائد في تلك الفترة بأن الأرض هي مركز الكون.
 

أو كان العلماء في أحسن الأحوال يلاقون مصير "غاليليو غاليلي" والذي حُجر عليه في بيته ومُنع من نشر أفكاره التي كانت تؤيد نظرية كوبرنيكوس بمركزية الشمس ودوران الأرض حولها. ولهذه الأمور كان لا بد من وجود رد فعل لهذه الممارسات من قبل الكنيسة، وظهر بدايةً "رينيه ديكارت" الفيلسوف والرياضي الفرنسي الذي نادى بالشك الموصل إلى اليقين، ومن ثم ظهر فلاسفة ينادون بأن الله أنشأ الكون وخلقه وجعله يسير ضمن قوانين ولكن بعد ذلك لم يعد له تأثير في سير الكون وأن الكون أصبح مكتفياً بذاته! 

ظهر "داروين" بنظريته عن التطور ونشأة الأنواع وفق آلية الانتخاب الطبيعي، وحينها بدأت تتأصل عقائد الإلحاد لدى البعض، وظهرت أصوات تنادي بموت الإله."

وحدثت حينها القصة الشهيرة للرياضي الفرنسي الشهير "لابلاس" مع نابليون بونابرت حين أهداه كتابه الجديد فقال له نابليون: لم أجد لله أثراً في كتابك؟ فأجابه لابلاس: لم أرى سبباً لإقحام الإله في كتابي! وخلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر توالت الاكتشافات العلمية في شتى المجالات، وبدأ البعض يغترون بسطوة العلم وقوته وأن الانسان قادر أن يفعل كل شيء بفضل العلم.

استمر الأمر حتى ظهر "داروين" بنظريته عن التطور ونشأة الأنواع وفق آلية الانتخاب الطبيعي، وحينها بدأت تتأصل عقائد الإلحاد لدى البعض، وظهرت أصوات تنادي بموت الإله كما قال الفيلسوف الألماني الشهير نيتشه، وظهرت مقولة "كارل ماركس" بأن الدين أفيون الشعوب، وعلى هذا فإنه لم يعد من حاجة للدين فهو فقط لتسكين الشعوب وتخديرها.

ولكن مع بدايات القرن العشرين وتصاعد حركة الاكتشافات والبحث العلمي بدأ الانسان يذعن لحقيقة واضحة أنه مازال في البداية فقط، فكلما اكتشف العلماء شيئاً جديداً ظهر لهم معه أنه مازال أمامهم الكثير، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن انقسم الناس وخاصة العلماء بين من يزداد اغتراراً بالعلم وأنه لم يعد من حاجة لإله لهذا الكون، وبين آخرين نادوا بالتصميم الذكي أو العظيم، وأن هذا الكون خُلق من قوة معجزة قادرة على كل شيء.

كان هذا ملخصاً تاريخياً وجيزاً عن نشأة الإلحاد في أوروبا والغرب بشكل عام، ولكن السؤال الذي يُطرح عن منطقتنا العربية: كيف نشأت ظاهرة الإلحاد في بلادنا العربية وأعُجب بها بعض الشباب؟ وهل لها جذور تاريخية أدت لنشأتها في منطقتنا؟ وللإجابة على هذا السؤال فإنه منذ نشأة الإسلام قبل 1400 عام وحتى منتصف القرن الماضي،  لم تعرف منطقتنا العربية ولا الإسلامية بشكل عام ظهورا للإلحاد، ولم ينادي به أحد على الإطلاق، وإن وجد بعض العلماء الذين يمكن أن يطلق عليهم "ربوبين" وكانت لهم بعض الأفكار الشاذة في الدين، ولكن لم يقم أحدٌ منهم بنفي الله الخالق لهذا الكون.

وبعد سقوط الخلافة العثمانية وقدوم دول الاستعمار لمنطقتنا واحتلالها معظم البلدان ونشرها لأفكار العلمانية والشيوعية وغيرها، بدأت تظهر بعض الطروحات، في البداية تدعو للتحرر والانفتاح على الغرب، ثم ما لبث أن تحول بعضها بعد فترة لأفكار تدعو الى ثورة على المفاهيم الدينية وعلى التاريخ الإسلامي بشكل عام، لينتهي بعضها بدعوات صريحة للإلحاد والمناداة بعدم وجود الإله وعدم الحاجة للأديان وخاصة الدين الإسلامي.

بعض هذه الدعوات جاءت نتيجة أن تربى أصحابها في المدارس الغربية التي أنشأتها الدول الاستعمارية في بلادنا، وبعضها جاء نتيجة رد فعل على الأوضاع المزرية التي تعيشها منطقتنا منذ سقوط الخلافة، حيث ظنوا أن سبب التأخر والتراجع الذي نعيشه مرده في الدرجة الأولى للدين، ونلاحظ في هذا تقليد للتجربة الأوروبية مع الكنيسة.

نشأة ظاهرة الإلحاد ليست مستقلة، وإنما جاءت كردة فعل. أما الملحدون وخاصةً المعاصرون منهم فإن للأمر جوانب أخرى نفسية واجتماعية أدت لإلحادهم وليس لأسباب علمية كما يزعم بعضهم.

ولكن هنا يطرح سؤال هام: هل من الإنصاف تشبيه الوضع الذي نمر فيه منذ قرن ونص بما حدث في أوروبا في القرون الوسطى وحالة العداء بين الكنيسة والعلماء؟ وهنا بالطبع لا يمكن المقارنة بين الحالتين، إذ لم نسمع في يوم من الأيام أن عالماً مسلماً أحُرق أو قُتل بسبب رأي أو اكتشاف علمي قام به! كما لا يوجد في الدين الإسلامي حكم يمنع البحث وطلب العلم في شتى أنواعه، لا بل على العكس تماماً، فآيات القرآن الكريم تحض الإنسان على التفكر والبحث في هذا الكون، والتدبر في آيات الله.

وقد وردت هذه الآيات في مواضع عديدة من القرآن الكريم وهذا غيض من فيضها: قال تعالى: "قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق"، "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت"، "الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا"، "إن في خلق السماوات والأرض لآيات لأولي الألباب"، "وفي أنفسكم أفلا تبصرون".

وطرح القرآن في مواضع أخرى أسئلة هامة لدعوة الإنسان لإعمال عقله والتفكر في هذا الكون مثل: "أفلا يتدبرون"، "أفلا يعقلون"، "أفلا يتفكرون"، هذا بالإضافة إلى الأحاديث النبوية الكثيرة أيضاً في هذا المجال. وبعد هذا لا يوجد أي مبرر لمقارنة جائرة بين وضع الدول الإسلامية والدين الإسلامي مع العلم، وبين وضع أوروبا في القرون الوسطى مع الكنيسة والقساوسة.

في النهاية إذاً لا بد من التأكيد مرة أخرى أن نشأة ظاهرة الإلحاد ليست مستقلة، وإنما جاءت كردة فعل. أما الملحدون وخاصةً المعاصرون منهم فإن للأمر جوانب أخرى نفسية واجتماعية أدت لإلحادهم وليس لأسباب علمية كما يزعم بعضهم، وفي هذا الأمر موضوع أخر سأتحدث عنه في مقال قادمٍ إن شاء الله عن صفات الملحدين وسماتهم العامة التي يتصف بها أغلبهم وما الذي قادهم للإلحاد مع ذكر أمثلة معاصرة منهم.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة