عصام القيسي
عصام القيسي
6.9 k

لن أنجب في هذا الوطن

28/2/2017
تعرفت عليه العام 1986، كنا جيرانا نسكن حارة قديمة كانت ملكاً ليهود الضاحية قبل العام 1948، في ضاحية جميلة تبعد عن العاصمة صنعاء قرابة 40 كم. بيوت الحارة متلاصقة في سلسلتين متوازيتين طولياً بحيث لا يمكنك دخولها إلا من مدخليها الأماميين أو مدخلها الخلفي الوحيد. كان صديقي إلى جوار وسامته التي تذكرك بأبطال السينما الهندية أنيقاً أيضاً، على الرغم من الظروف المالية الصعبة لأسرته، وعلى الرغم من أن الأناقة في تلك الفترة الزمنية وفي مثل تلك البلدة البسيطة تعد ترفاً لا تعرفه إلا القلة النخبوية فيها.
 

جمعتني به اهتمامات بسيطة، من بينها حب النظافة والموسيقى. فكنا أصدقاء لمدة عامين تقريباً. قبل أن تقرر أسرته مغادرة الضاحية إلى المجهول. وخلال تلك الفترة فشلت كل محاولاتي للبحث عن خيط يوصلني به. وبعد سنوات نسينا فيها بعضنا التقيت به صدفة في العاصمة. كنت حينها قد تخرجت من الجامعة وأصبحت أباً لطفلين. تحولات كثيرة طرأت على كلينا في الشكل والمضمون. لم يبق شيء مما نعرفه عن صبانا غير تلك القيم التي آمنا بها سوياً، وفي مقدمتها القيم الجمالية بالطبع.
 

قلت لصديقي: يالنا من أوفياء لو كان لنا وطن وفي. يا لنا من حالمين لو كان لنا وطن يحقق أحلامنا. أما الأصدقاء فيتسربون من بين أيدينا كالماء، وأما الحياة الكريمة فلم نعرفها بعد.

من أوائل الأسئلة التي طرحتها على صديقي في لقائنا الأول: هل تزوجت؟ كنت أتوقع أن تكون إجابته "نعم" فهو على الأقل يكبرني ببضع سنوات، وليس من المألوف في مجتمعنا أن يتأخر الشاب عن الزواج حتى هذا السن. لكنه فاجأني بـ "لا، ولن أتزوج".. هل تعني؟ أعني أنني غير مستعد لتوريط أبنائي في بلد كهذا! كرر أمامي هذا القول بعد ذلك لسنوات: لست مجنوناً لكي أشارك في تعذيب أولادي. هذه البلاد وجدت لتعذيب أبنائها فقط! سألته: لكن ما الذي بوسعك أن تفعله؟ أجاب: خطتي هي هذه: قبل أن أبحث عن زوجة سأبحث عن وطن يليق بأبنائي!
 

كان صديقي يحلم بالذهاب إلى أميركا، وكان يؤجل هذه الخطوة إلى أن يتم واجبه الأخلاقي تجاه أسرته، حيث كان يخطط "لإنقاذها" كما يقول. وقد نجح بالفعل في تزويج شقيقاته لميسورين من دولة خليجية. كما نجح في إخراج شقيقه الأصغر والوحيد أيضاً. الآن فقط يمكنه أن يتزوج! والآن فقط يمكنه أن يعيش كما يعيش الأحياء حسب وصفه. على الأرجح لم يبق بينه وبين الوطن سوى خيط رفيع هو الذكريات. نسيت أن أخبركم عن قوة هذه الكلمة في وجداننا نحن الاثنين، ولأن المساحة لا تكفي لحديث طويل سأكتفي بذكر هذه المعلومة.
 

كان من عادتنا إذا التقينا أن نستعيد معاً بعض ذكريات صبانا في الضاحية الجميلة: علاقاتنا الغرامية الفاشلة، أصدقاءنا، الحمام الذي كنا نربيه، الأغاني التي كنا نسمعها لوليد توفيق وعبد الحليم حافظ، ألعابنا في الحارة، مقالبنا البريئة مع العم سعيد صاحب الدكان الذي لا يتعرف على العملة المعدنية إلا بجسها بأصابعه لضعف بصره. وغير ذلك من الذكريات الحميمة. ولأن هذه الذكريات بالنسبة لنا تمثل وجداناً راسخاً وعميقاً فقد قررنا أن نفعل شيئاً. قررنا أن نزور حارتنا القديمة في الضاحية المذكورة في وقت محدد من كل عام، بحيث تصبح الزيارة طقسا روحياً ثابتاً لا نخلفه.
 

وهكذا كنا نعد نفسينا ونعد عدتنا اللازمة لزيارة الضاحية في كل 14 رمضان من كل عام. بسيارته المرسيدس الأنيقة نتحرك الساعة الثامنة مساء، لنصل حارتنا القديمة في الضاحية الساعة التاسعة مساء. وبعد وقفة على الأطلال قرابة الساعة نتحرك باتجاه موقع السهرة الذي اخترناه مصادفة لأول مرة، وهو عبارة عن زاوية في طريق إسفلتي يقع في المنتصف بين القرية التي تتربع على الجبل والضاحية التي تتربع في سفحه. إنه مكان موحش لا تمر به السيارات إلا نادراً، ومع ذلك فقد كان مكاناً مناسباً لمواجهة القمر في ليلة اكتماله. في هذه الزاوية نستعيد ذكرياتنا للمرة الألف، ونستمع إلى إذاعة الكويت، التي أصبحت مقرراً ثابتاً ما دمنا قد استمعنا إليها مصادفة في المرة الأولى!
 

ومرت الأيام مرة أخرى، وتقلبت أحوال الثورة والنظام، وتحولت بعض الأحلام إلى كوابيس، وإذا باليمن تعود إلى ما قبل عهد النظام الذي ثرنا عليه، وإذا بالآمال تتلاشى مرة أخرى.

ظللنا على هذه الحال سنوات، قبل أن يقرر صديقي مغادرة البلاد إلى غير رجعة كما يقول وجدانه المثقل بالقهر منها. واعتقدنا أن الأقدار قد حكمت علينا بالفراق مرة أخرى. قلت لصديقي: يالنا من أوفياء لو كان لنا وطن وفي. يا لنا من حالمين لو كان لنا وطن يحقق أحلامنا. وما الوطن سوى الأصدقاء والذكريات والحياة الكريمة. أما الأصدقاء فيتسربون من بين أيدينا كالماء، مرة إلى خارج الوطن ومرة إلى خارج الحياة. وأما الحياة الكريمة فلم نعرفها بعد. إذن لم يتبق معنا سوى الذكريات. الذكريات التي لن يطرب لها سوانا أيضاً.


ظل الحال كما هو عليه إلى أن اندلعت ثورة 11 فبراير، وإذا بصديقي يتصل من عالمه الجديد. كان مبتهجاً على غير العادة: هل هذا ممكن؟ هل سيصبح اليمن وطناً صالحاً للآدميين؟! أنا عائد إليك يا صديقي بمجرد أن يستقر الوضع. سأفتح مشروعاً استثمارياً هناك وأستقر! كنت مثله منتشياً وأنا أجيبه: يبدو ذلك يا صديقي، يبدو أن بلادنا ستتعافى وتصبح وطناً صالحاً لنا. الثوار هنا يفعلون ما بوسعهم من أجل ذلك. الناس هنا بالملايين يهتفون لسقوط النظام وعهده البائس. هذه الملايين لا يمكن أن تغلب. وظللت أعبئ صديقي بالأمل إلى أن صدق.
 

ومرت الأيام مرة أخرى، وتقلبت أحوال الثورة والنظام، وتحولت بعض الأحلام إلى كوابيس، وإذا باليمن تعود إلى ما قبل عهد النظام الذي ثرنا عليه، وإذا بالآمال تتلاشى مرة أخرى. ترى كم من الحالمين مثلنا كسرت الثورة المضادة وجدانهم؟ كم من الشباب سيذهب إلى وسادته آخر الليل مهزوماً مكسور الوجدان؟ وكم بقي منا متعلقاً بالأمل مثلي ولم تبتلعه أمواج اليأس؟!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة