عد من حيث أتيت!

3/2/2017
انتشر على الإنترنت فيديو يوثق غرق شاب غامبي في مدينة البندقية، المدينة الإيطالية التي كانت جميلة؛ بل أيقونة لسحر المدن، فهي الملاذ المفضل للعشاق وأصحاب الخيال النضر.

أثار الفيديو الكثير من الجدل والنقاش؛ ولم يكن سبب ذلك الجدل عملية الغرق فقط، بل التعليق المصاحب للفيديو واللامبالاة المرضية التي وثق، حيث غرق الشاب من دون أن يتلقى المساعدة ووسط صراخ البعض بكلمات عنصرية من قبيل "ارجع من حيث أتيت"، وعبارة "إفريقيا إفريقيا".

كان المشهد تراجيديا تلخص عمق العطب الذي أصاب الإنسان في زمننا، وعرضا ساديا يفضح الراهن الإنساني، وكيف يتفرج الإنسان على أخيه الإنسان وهو يصارع الموت غرقا في مياه تقارب التجمد، دون أن يمد له يد العون؛ بل يدعوه للعودة من حيث أتى!.

العالم يسير في خطى حثيثة نحو مزيد من التقوقع والانغلاق على الذات، وكل ساعة يظهر لي ما يعضد ذلك التصور.
آلمني المشهد أيما ألم، لكنه لم يصدمني؛ فأنا وصلت منذ زمن لمرحلة عدم التفاجؤ بأي مستوى تصل له حقارة الفعل البشري، ولم يفاجئني الأمر كثيرا؛ لأن قصص الجرائم العنصرية تجتاح الانترنت، لكن هذا الحادث جعلني أتساءل عن مصيرنا نحن كملونين من عرب وأفارقه ومنحدرين من دول العالم الثالث في الدول الغربية؟

وقد ذكرني بقناعة طالما خامرتني وهي أن العالم يسير في خطى حثيثة نحو مزيد من التقوقع والانغلاق على الذات، وكل ساعة يظهر لي ما يعضد ذلك التصور، وقد تولد لدي هذا الانطباع من تصاعد اليمين والخطاب الشعبوي في الكثير من الدول الغربية، وهو الخطاب الرافض للمهاجرين والمختلف القادم.

وذلك ما جعلني أتقصد باستمرار فتح نقاشات مع أصدقائي المهاجرين، حول واقع المهاجرين المنحدرين من أصول مسلمة وشرق أوسطية أو عربية أو الملونين بشكل عام في البلدان الغربية، وكنت حين أتحدث مع أصدقاء لي مهاجرين في بلدان غربية، يؤكدون أن الوضع ليس على ما يرام، وأن القادم سيء، ويستوى في ذلك أصحاب الجنسيات وغيرهم.

وعند انتخاب ترمب ترسخت قناعتي تلك أكثر، وأتذكر حينها أن صديقا عربيا من خلفية شمال إفريقية يحمل الجنسية الأمريكية قال لي: الأمر لم يعد يطاق، الناس لا يريدوننا في هذه الأرض، عيونهم وكلماتهم كانت تقول ذلك واليوم أكدتها صناديق الاقتراع.

وحينها حدثت صديقا من لبنان يقيم في كندا عن الوضع هناك وهل يظنه أحسن من أمريكا؛ خاصة أن من يحكم الدولة يظهر في صورة المرحب المحب للهاجرين وأن سياسات الهجرة أفضل هناك؛ فقال لي ليس كل ما يلمع ذهبا، العنصرية منتشرة هنا بشكل مخيف، وأصارحك، الوضع مقلق.

ومن ضمن نقاشاتي تلك أتذكر أن صديقا عربيا يقيم في السويد التي يعتبرها الكثيرين جنة على ظهر الأرض ومكان لا يظلم فيه أحد، قال لي:" هنا، القانون ينصفنا والفرص موجودة والناس لا يقابلوننا بسوء لحد الآن؛ لكن هناك معضلة وهي أنه حين تحدث انتخابات يصوتون لليمين المناهض للمهاجرين وتلك رسالة واضحة لنا بأنه لا مكان لنا".

وهذا الأسبوع، بدأ ترمب بالوفاء بوعوده الانتخابية الموغلة في العنصرية، بعد تسلمه للسلطة، حيث أصدر قرارا يمنع دخول اللاجئين السوريين لأجل غير مسمى، وتعليق مؤقت-مدته ثلاثة أشهر- لمنح التأشيرات لمواطني الدول التالية: إيران، سوريا، العراق، السودان، ليبيا و الصومال و اليمن، وهي دول ذات أغلبية مسلمة، لذلك كانت الرسالة شديدة الوضوح.

ثم تعليق للتأشيرات من الدول ذات الاهتمام الخاص ومن ضمنها: السعودية، إريتريا والسودان وطاجيكستان. وطبعا، قرارات ترمب الجديدة هي تجسيد لرغبة اليمين المتصاعد في أمريكا والغرب لوضع حد لقدوم المهاجرين، الذي يعتبرهم سبب تدهور الوضع الاقتصادي في البلدان الغربية.

لمهاجر يهرب من وطنه بحثا عن كرامته المفقودة في وطنه أو هربا من حالة اغتراب في دولته المسلوبة، لا للعيش وسط من يحتقرونه وينظرون له باشمئزاز ويعزلونه.
لكن ورغم كل ما يحدث من جنون، هناك بعض النقاط المضيئة والمفرحة مثل الحراك الذي حدث في أمريكا عقب قرارات ترمب العنصرية، فهو بارقة أمل لبروز حالة جادة من الرفض الفعال لهيمنة اليمين الفاشي في أمريكا والغرب؛ المعركة التي قالت الناشطة والأكاديمية اليسارية الأمريكية آنجيلا ديفس في مسيرة النساء بواشنطن، يوم 21 كانون الثاني، 2017، أنها ستستمر طوال أيام ترمب في الحكم، أي1459 يوما، وأتمنى أن يكون الحال كذلك؛ فهو أمر يبعث على السرور؛ فتحكم ترمب ومماثليه من فطريات اليمين المريض دون مقاومة يعني فقدان الأمل في عالم مبني على التعايش.

وفرحي هذا لا ينغصه شيء كخروج مثقفين ونشطاء من الشعوب المستهدفة يبررون فعل ترمب بل يمجدونه؛ ففي الوقت الذي كان المثقفين والنشطاء والفنانين في الغرب يشجبون فظاعة تصرف ترمب، خرج علينا مثقف بحجم مراد وهبة، قائلا وبكل وقاحة:" أن ترمب والسيسي ينفذون الحضارة".

الواقع المضطرب في الغرب، يقابله تزايد للظلم في منطقتنا العربية وفي القارة الإفريقية، وهو السبب الأول في موجات الهجرات من بلداننا، وهو حال يؤكد أن القادم أصعب؛ فالهجرة فيما يبدو لم تعد هي" الحل" أو على الأقل هذا ما تخبر به الكثير من الوقائع؛ فالمهاجر يهرب من وطنه بحثا عن كرامته المفقودة في وطنه أو هربا من حالة اغتراب في دولته المسلوبة، لا للعيش وسط من يحتقرونه وينظرون له باشمئزاز ويعزلونه كالأجرب، ودولنا لا تزال ترزح تحت نير الطغيان والفساد وتتذيل كل المؤشرات العالمية، آخرها مؤشر الفساد لسنة 2016، الصادر عن منظمة الشفافية الدولية.

لذلك، أرى أننا قد نعيش مرحلة جديدة من تصاعد موجات الرفض في بلداننا أو انفجارات ثورية شديدة؛ فالتنفيس الذي كانت تسمح به الهجرات نحو الدول الغربية سيخف على الأرجح، إن لم تفتح خطوط هجرة جديدة؛ كالدول الآسيوية الصاعدة، مثلا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة