خليل حنون
خليل حنون
1.5 k

برنامج "نقشت" بين النسخ والمسخ

4/2/2017

"إذا كان برنامج "نَقَشِتْ" جريء لهذه الدرجة، فما هو حال البرنامج الأجنبي؟!" سمعتُ هذا التساؤل العفوي في أحد الحوارات التي دارت حول برنامج "نقشت" المأخوذ عن برنامج المواعدة Take me out الذي انطلق من أستراليا وتم تطويره وعرضه بنسخ مختلفة حول العالم، لتستقر النسخة العربية منه مؤخراً في حضن إحدى المحطات اللبنانية. هذه النسخة أثارت حفيظة شريحة واسعة من المجتمع اللبناني ودار الجدل والصراع حولها، فيما تطايرت في الجو مع الغبار المُثار كلماتٌ مثل ابتذال.. حرية.. حقوق المرأة.. سوق نخاسة.. وغيرها.
 

المحطة التي تعرض "نقَشِتْ" عرّفت البرنامج بأنه منبرٌ لجرأة المرأة أمام التسلّط الذكوري. أما المعترضون فرأوا فيه تشويهاً لصورة المرأة، وقلة احترام للمشاهد والمجتمع، وإسفاف ما بعده إسفاف. بعد التساؤل العفوي الذي ذكرتُه في المطلع، عمدتُ إلى مشاهدة البرنامج بجميع نسخه التي أستطيع فهم لغتها، واخترت حلقتين بشكل عشوائي من النسخة الإيرلندية والإنجليزية والأميركية والجنوب إفريقية، إضافة إلى الأصل وهي النسخة الأسترالية. واحتياطاً دخلت مكتبي. أنزلت الستائر وأقفلت الباب، وجلست إلى الكومبيوتر واضعاً على أذني سماعات كي لا يصل كلام وضجيج البرنامج إلى أسماع عائلتي، فالنسخة العربية سيئة السمعة فما بالك بالأجنبية؟!
 

كانت المشاهدة مفيدة ومتعبة وأظهرت المقارنة بعض الأمور التالية: تبدو النسختان الإيرلندية والأسترالية أشبه ببرنامج عائلي مقارنة بالنسخة اللبنانية. أما باقي النسخ وخاصة الإنجليزية "السيئة السمعة!" والتي تم مهاجمتها من بعض الصحافة في بريطانيا بأنها مسيئة للنسوية، وبأن القائمين على البرنامج  يحاولون التستر خلف قناع حرية المرأة وحقوقها.

تختلف النسخة اللبنانية من البرنامج "نقشت" عن باقي النسخ العالمية بأنها "تميزية وانحيازية" بمعنى أنها غير عادلة في توزيع الوقت بالتساوي بين المشتركين الذكور كما هو المفروض.

هذه النسخة تبدو بالمقارنة بريئة وصادقة أكثر مع حال القائمين عليها ومجتمعهم. فالنكات والمواقف الحميمية أو ذات الإيحاء الجنسي تأتي عفوية ولمّاحة ولا يتم التركيز عليها والاحتفال بها إلى درجة الابتذال. وهي عادة ما تتراوح بمعدل ثلاثة إلى أربعة في الحلقة الواحدة من هذه النسخة الإنجليزية، هذا المعدل نشاهده في النسخة اللبنانية ليس في الحلقة الواحدة بل في كثير من الأحيان في الدقيقة الواحدة ومن العيار الثقيل على الذائقة العامة، والمعجون بالاستعراض الزائد مع الفبركة في المواقف لإثارة الضحك وأشياء أخرى، مثل الفتاة المشتركة التي شاركت مع "قط" فقط من أجل التمهيد لنكتة مهترئة تتعلق باللعب على دلالات كلمة قط بالعامية.
 

النسخة الإنجليزية لديها بعض المواقف "الجريئة الصارخة" خلال الموسم الواحد من البرنامج ونستطيع عدّها على الأصابع، وهي تستخدم عادة في الترويج للبرنامج. لكنها "جرأة صارخة" ضمن السياق، وليست نهجاً مقصوداً على طول البرنامج وعرضه. لذا يغلب في العموم على الحلقات الإنجليزية أن يكون مثلاً "أقذر" أو أجرأ تعليق هو أن تذكر مشتركة بأن لون قميص الشاب يتناسب مع ألوان غرفة نومها! (الحلقة الثالثة من الموسم الثامن).
 

يعمد "نقشت" إلى إطالة مدة افتتاحيته ومقدمته فيما يبدو خروجاً عن الشكل الأساسي المصمم للبرنامج الأصل.  فقبل دخول المشتركين في لعبة المواعدة والاختيار، يفتح مقدم البرنامج دردشات مع المتسابقات بوقت يصل إلى النصف ساعة وكأنه برنامج حواري. لكن هذا "الحواري" يعمد إلى استنطاق حميمي "جريء" وغير بريء للمشتركات وكأنّ همّه في كثير من الأحيان تحويل المتفرج إلى متلصص.
 

كما تختلف النسخة اللبنانية من البرنامج عن باقي النسخ العالمية بأنها "تميزية وانحيازية" بمعنى أنها غير عادلة في توزيع الوقت بالتساوي بين المشتركين الذكور كما هو المفروض. فالنسخة اللبنانية ارتأت أن يكون في الحلقة مشترك "سوبر" يأخذ وقتاً مضاعفاً وأكثر، يساوي أحياناً وقت باقي المشتركين. ربما لأنه بنظر المعدين أهم من غيره وأكثر ملاءمة لضرورات الجو "الجريء" وإيحاءاته!
 

النسخة اللبنانية مسخت الأصل ولم تنسخه كما يفترض، وأرادت أن تكون "مَلَكية أكثر من الملك"، وتستغل جملة "فسحة لجرأة المرأة وحريتها"  لتتستر خلفها بهدف جلب المزيد من الإعلانات لا أقل ولا أكثر، ناسية أن جرأة المرأة في الغرب لم تبدأ من خلال برنامج مواعدة منسوخ ممسوخ، وإنما عبر تراكمات تاريخية من حقوق وقوانين وحريات نشأت ونمت في ظل خصوصيات دول وأنظمة، وهي حاولت وتحاول أن تنتبه لما لم ينتبه له برنامج "نقشت" وهو احترام الذات والناس ولو في أقل صورة ممكنة.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة