أنس عبدالرحمن
أنس عبدالرحمن
3.1 k

معارك المسلمين.. فتوحات أم حروب؟

5/2/2017
لا يعجب مصطلح "الفتوحات الإسلامية" الكثير من المؤرخين والفلاسفة، فهم لا يرون في المصطلح سوى تجميلاً لكلمة رديفة وهي الاحتلال. وقد أجهد البعض منهم وقته و نفسه في البحث بهذه القضية، سعياً لإثبات أن ما يسميه المسلمون بالفتوحات، هي استعمار، لا يختلف بشكله وبمضمونه عن ما كان يقوم به الرومان والفرس سابقاً. قضية الفتوحات الإسلامية تثير حساسية كثير من مشايخ المسلمين، الذين بدورهم استنزفوا جهودهم في إثبات نقيض هذه الفكرة، وأكدوا مراراً وتكرراً أن الغزوات الإسلامية لم تكن سوى ردة فعل دفاعية وطبيعية ضد الاضطهاد الذي كان يمارسه الفرس والرومان في مناطق العرب والمسلمين.
 
وعلى أي حال، فإن العودة للتاريخ في مثل هذه الأمور لا تبدو مفيدةً كثيراً، ففي الوقت الذي سيزعم فيه المسلمون أن الحروب التي نشأت كانت مجرد دفاع طبيعي عن النفس، فإن الطرف الآخر سيكذب رواية المسلمين التاريخية، ويشكك في سياق الأحداث المروية، لنصبح أمام حالة جدلية لا نهاية لها.
ووسط هذه الحالة الجدلية، سنستمع إلى الكثير من الآراء الغريبة، فالبعض مثلاً يرى أن الفتوحات الإسلامية هي امتداد طبيعي لمفهوم الغزوات القبلية، التي كانت تمارسها القبائل العربية للحصول على الغنائم، وهذا مفهوم غريب بلا شك، فالقبائل تغزو القبائل ويمكن لها أن تقطع الطرق إن شئت، ولكنها لا تستطيع أن تهاجم الدول والامبرطوريات، وتصل إلى مشارق الأرض ومغاربها من أجل الحصول على الغنائم والخيول، هذا من جهة.

البعض مثلاً يرى أن الفتوحات الإسلامية هي امتداد طبيعي لمفهوم الغزوات القبلية، التي كانت تمارسها القبائل العربية للحصول على الغنائم، وهذا مفهوم غريب بلا شك، فالقبائل تغزو القبائل ويمكن لها أن تقطع الطرق.
أما من الجهة المقابلة، فإن هذا الرأي يغفل بشكل متعمد، أو غير متعمد التطور الكبير الذي طرأ على القبائل العربية، وحولها إلى دولة ممتدة الأركان من الشرق إلى الغرب، ويحاول بشكل أو بآخر أن يبحث عن أي سبب بربري أو همجي يبرر مثل هذه الغزوات. وبعيداً عن الأسباب الدينية، فإن المسلمين يحاولون تجميل هذه الحروب بالبحث عن أسباب انسانية وأخلاقية تبرر هذا الغزوات، وهو أمر طبيعي جداً، فلا يوجد دولة في العالم قامت بحروب توسعية إلا غلفت هذه الحروب بأسباب أخلاقية ومنطقية تبرر مثل هذا الفعل. فلا يوجد دولة في العالم ستخبرك بأنها تحتل الدول الأخرى من أجل زيادة نفوذها، لكنها ستخبرك عن الإرهاب أو حقوقها التاريخية المسلوبة، حتى إسرائيل التي هاجمت أغلب الدول العربية، تسمي جيشها بجيش الدفاع الإسرائيلي، لتوحي للعالم بأنها تدافع عن نفسها.

ومن هنا، فلا يمكن لنا أن نفسر الفتوحات الإسلامية التي امتدت شرقاً وغرباً على أنها عمل همجي، هدفه الغنائم وسرقة الدول الأخرى، كما أننا لا نستطيع اعتباره عملاً انسانياً بحتاً هدفه الدفاع عن النفس فقط، بل هي سلوك طبيعي لأي جماعة بشرية تملك رسالة عالمية تشعر أنها صالحة للتعميم على البشر.
فالدول والامبراطوريات ميالة بطبعها للتوسع ونشر أفكارها وثقافتها، فهكذا تتصرف الدول سواء كانت دينية أو علمانية، لأنها تبحث عن الانتشار بجميع الوسائل المتاحة، عسكرياً وثقافياً، ولا تنشغل بمثل هذه الأسئلة الفلسفية والأخلاقية الساذجة، التي تعتبرها تنظيراً فارغاً لا طائل منه.

وإن كان السؤال الذي يشغل ذهن البعض بهذا الطرح، هو بماذا تختلف إذن الفتوحات الإسلامية عن غيرها من الحروب التي كانت تقوم بها الدول الأخرى؟! فإن الحقيقة الجلية أنها لا تختلف بشيء جوهري، ولا أعتقد أنها يجب أن تختلف، وإن كان الأمر يتعلق بهذه الحالة بالمسمى، فإن المنتصر يسمى المعركة كما يشاء، فأمريكا تسمي حرب العراق تحريراً، وبالتالي فمن الطبيعي أن يسمي المسلم حربه فتحاً، ومن حق غيره أن يقول عنها ما يشاء.

وفي هذا السياق لا بد من توضيح مسألة بالغة الدقة، فكل ما ورد أعلاه ليس تبريراً لحروب أمريكا ولا للفتوحات الإسلامية، لكنه محاولة لقراءة الواقع الذي تجري فيه الأمور، ولا يعني هذا، أن القيام بالحروب هو من الحقوق الأصيلة للدول العظمى، وإلا فإنه لا بد بهذا المنطق من قبول الاحتلال الإسرائيلي والأمريكي. فالأمر برمته لا يعدو كونه محاولة لتفسير أسباب الفتوحات الإسلامية، بعيداً عن المنطق الديني، والأحاديث الحالمة عن حروب انسانية وأخلاقية، فالمنطق البشري يترك مثل هذه الأمور للكتب والخطابات، بينما ينشغل في الواقع العملي بالبحث عن مصالحه التي تفرض عليه القيام بمثل هذه الأمور.

ومن واقع الأمور، أن الرسائل العالمية والثورات الفكرية يتم مواجهتها بالقوة من قبل الدول الأخرى التي ترى في انتشارها خطراً على وجودها، ودون امتلاك هذه الرسالة للقوة اللازمة فإن مصيرها سيكون الاندثار الحتمي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة