ساري العم
ساري العم
874

ما جدوى دراسة النحو؟

11/3/2017
ما جدوى الدراسات النحوية: لعلّ أوّل ردّة فعل على سؤالي البسيط هذا ستكون: "هذا سؤال لا ينبغي لأكاديمي متخصّص في العربية أن يطرأ على باله فضلاً على أن تتحرّك به شفتاه أو يدوّنه قلمه"، وقبل أن تتسرّع أيّها القارئ الكريم وتحوّل بصرك إلى ما هو أنفع لك في هذا العالم الذي يعجّ بالأرقام ويغصّ بالمعلومات دعني أحكي لك القصة منذ بدايتها.

دخلنا كلّية الآداب ودرسنا النحو وتفريعاته وآراء الكوفيّين والبصريّين ونزاعاتهم المشهورة، درسنا "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" الذي لا نظير له بين كتب النحاة. درسنا الأدب الجاهلي والأموي والعباسي والمملوكي والأدب الحديث، قرأنا كلام العرب نثره وشعره ورجزه، حفظنا من مقامات الهمذاني وسعدنا بخفّة ظل الجاحظ، وانتشينا مع فخامة المتنبي ولهونا مع النواسيّ، وزهدنا مع أبي العتاهية، وعشقنا مع جميل وكثيّر وعمر بن أبي ربيعة، وتهاجينا مع جرير والفرزدق.

نعم كان تاريخاً حافلاً بجمال البيان وكمال التعبير، لكن المشهد الأكثر إيلاماً والذي كان يتكرّر في الجامعة كلّما مرّ علينا دكتور حصيف وأستاذ يعرف ما يريد هو ذلك الاستهلال: "من يستطيع منكم - يا أبنائي- أن يتحدّث معي بالفصحى ولا شيء غير الفصحى؟"، السؤال موجّه لاختصاصيّين في اللغة العربية وآدابها والمجيبون يُعدّون على أصابع اليد الواحدة.

اكتساب اللغة أهم، أما قواعد النحو فتعلمّك الضبط الصحيح، وليس هذا تزهيداً بالنحو وأصوله وإنما لكي يعطى لكل ذي حقّ حقه بلا زيادة ولا نقص.
يا ليت شعري كيف يتعلّم العربيّ اللغة الإنجليزية ويتحدّث بها بطلاقة، وإذا أراد الحديث بالعربية أرتج عليه وتلعثم وتلكّأ! أتعلمُ العربية أثقل على العربي من تعلّم لغة الإفرنجة؟ لا أكاد أشكّ زملائي كانوا يتقنون الإعراب وتشكيل أواخر الكلمات، لكن العلم بالأصول شيء وتطبيقها شيء آخر. وإن تمكين العربية لا يأتي من حفظ قواعد وأصول لا نصيب لها في التطبيقات، فما الفائدة إذا علمت أن الفاعل مرفوع وأنت تنصبه أو تجرّه؟

لا بدّ للدول أن تحرص على تعلّم العربية منذ الصغر بالاكتساب وهو أجدى الطرق وأسهلها، وهو السبيل الذي سلكه العرب منذ الجاهلية، فقد كانوا يرسلون أبناءهم ليخالطوا العرب الأقحاح فيشتدّ عودهم وتفصح ألسنتهم، ولقد أُرسل النّبي صلى الله عليه و سلم إلى بني سعد في القصّة التي لا تخفى على كلّ قارئ للسيرة النبوية.

وإن الاكتساب لا يتأتى إلا بجعل الفصحى اللغة الوحيدة السائدة في صفوف الدراسة الأولى. الاكتساب يجعل منك العربيّ الفصيح؛ أما قواعد النحو فتعلمّك الضبط الصحيح، وليس هذا تزهيداً بالنحو وأصوله وإنما لكي يعطى لكل ذي حقّ حقه بلا زيادة ولا نقص.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة