صلاح الدين قتال
صلاح الدين قتال
734

إنها عروبة موسمية

12/3/2017
وأنت َ تحاول أن تشخص نزلة الغرابة التي تصيب قناعات الفرد العربي بين الحين والآخر ستجد نفسك -حتما- محاطا بذاك الكم الهائل من الاستفهامات المنطقية منها والغير منطقية! حتى أنك معرض لعدوى قلة فهم مفاجئة قد تؤدي بصحتك العقلية و التحليلية إلى الهاوية، بل قد تعود بك أدراجا إلى عدم الفهم لا قلته!


هذا لأن محاولتك في استيعاب تركيبة الفرد العربي هي في حد ذاتها مغامرة؛ ذاك لأنه من المتوقع أنك قد تكتشف اهتماماته الكبيرة بقضايا كثيرة، لكن جل تلك القضايا تجد بها منفذا أو شقة جدار يتسرب منها إيقاع ودف وقليل من التصفيق، لأن القضية التي وددتها أن تستهوي جل العرب عليها أن تحوي القليل من الطرب!

كم من غارة إسرائيلية في فلسطين؟ وكم من تفجير وهجوم وعملية انتحارية؟ كم من مصيبة تلزمنا كي نحس بأننا جزء من تلك القضية، بل إن كلها يعنينا، نحن أهل تلك القضية! كم من شهيد يسقط في قطاع غزة حتى يمطر على العرب شتاء العزة فيثور الجميع ليلقي خطاب المواساة ويتذكر أنه عربي حتى النخاع، وحين يدفن الشهيد تسكت وسائل الإعلام فينسى الجميع أنه عربي، كدنا أن نتمنى غارة جديدة، وموتا جديدا كي نحظى بالوحدة والفخر والعزة والغيرة والرجولة والنخوة! كدنا نتمنى موت الآلاف كي يتسنى لبقية الآلاف أن تتحد. 

إن من أنواع الهجر"هجر القضية"، وهذا تماما ما يفعله مثقفونا وفنانونا، إنهم يجمعون أصواتهم مرة كل عشر سنين بمعزوفة في دقائق يسمونها "الضمير العربي"، تكفي العرب لسنين طويلة، حتى يحفظها الكبير والصغير.

كم من تفجير وانتفاضة؟ كم من عائلة ستغرق، وكم من صغير يلفظه البحر ذات شتاء كي نحس بذاك الاستثناء، إلى أي حد من الخراب الذي نراه في سوريا يلزمنا كي نتذكر الشام، نتذكر انتمائنا إليها وانتمائها إلينا. اعتدنا أن نكون أمة واحدة حين المصيبة وأمم متفرقة لا متحدة حين انتهاء المصيبة، وأية مصيبة؟ إنها التي تعزفها وسائل الإعلام على خاطرها، لا تلك التي غضت البصر عن نقلها! مشكلتنا أننا نتأثر بما ينقل لنا، نشاهد الصورة ونقرأ والمقال وبعدها كل ينشر ثورته ضد ما شاهد وما قرأ في حسابه الشخصي على مواقع التواصل الإجتماعي.

وبعضنا يتذكر نخوته المركونة على حافة طريق مهجور؛ فيطلق مبادرة "الهاشتاڨ" ويعلن تضامنه على سبيل عروبته المفاجئة! والبعض يصمم صورا ويكتب عليها تعويذة الغيرة، والبعض الآخر يغير صورته الشخصية بها، ربما هو أضعف إيماننا لكن كم عمر الإيمان هنا؟ إنه بضعة أيام قليلة وبضع دقائق و ساعات إلى أن تغير القنوات التلفزيونية موضوعها، ويغير قادة الرأي اهتماماتهم فيتغير كل شيء، وينسى العربي شعاره قبل ساعات، وثورته قبل أيام، وتعصبه لانتمائه قبل قليل.

إن من أنواع الهجر"هجر القضية"، وهذا تماما ما يفعله مثقفونا وفنانونا، إنهم يجمعون أصواتهم مرة كل عشر سنين بمعزوفة في دقائق يسمونها "الضمير العربي"، تكفي العرب لسنين طويلة، حتى يحفظها الكبير والصغير، بل حتى يبلغ الصغير بها كبره ليبقى يتذكر أن الشيء الوحيد الذي اجتمع فيه العرب هو أغنية ب"ريتم" واحد، لحن واحد، وحين يحين موسم العروبة عليه بتحميلها حتى تأخذ منه دقائق قليلة، وحين ينهي سماعها ينهي واجبه تجاه وطنه العربي.

إن العروبة التي تزورنا مرة كل موت هي في الأصل عارنا لا فخرنا! إننا ننسى أننا عرب لمواسم، ونتذكر كوننا كذلك ذات موسم فقط! أصبحت قانونا طبيعيا كما المطر له انقلاباته وحالاته المناخية، وله مواسمه، ولنا في عروبتنا اليوم انقلابات، وحالات، ولها عندنا موسم خاص، إنه الموت والكارثة والفقدان والخسارة عندها نتذكر أننا عرب، أوقف تشخيصك وعجل بالوصفة، وأخبر هذا الوطن العربي أن علته وإصابته الوحيدة  هي "عروبة موسمية"!

كلمات مفتاحية: عروبة، عرب، موسمية، مثقفون

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة