خالد زوبل
خالد زوبل
249

رؤى تجديدية للعمل الإسلامي (2)

13/3/2017
في التربية والمنهج (1-2)

كان الإمام أبو حنيفة النعمان-رحمة الله عليه ورضوانه- من أوائل رائدي التربية الحوارية في تكوين الشخصية الإسلامية، فقد كانت تأتيه المسألة من مسائل الفقه فيجمع فيها تلامذته زُفر بن هُذيل ومحمد بن الحسن الشيباني وأبا يوسف وغيرهم فيناقشونها، وربما استمر النقاش إلى ساعات متأخرة من الليل، فيخرجون على رأي واحد، أو على اجتهادات متباينة، مع احتفاظهم بكامل التقدير لأستاذهم ولمكانته العلمية... ولذلك حينما تفتح كتاباً في الفقه الحنفي تجد مثل: وقال أبو حنيفة كذا، وخالفه صاحباه، أو قال أبو حنيفة ووافقه أبو يوسف، وانفرد زُفر .. وهكذا في تربية حوارية صقلت تلامذته بالحوار والقياس والنقد الفقهي وإمعان النظر حتى صاروا أئمةً يُقتدى بهم في الفقه الحنفي....

ولعل هذه المدرسة المُبتَدَعة هي من أفضل ما توصل إليه الباحثون حديثاً في طرائق التعليم والتربية، إذ أن التربية بالحوار هي ما تتكامل فيها القناعات بالبرهان والجدل والمنطق والإفهام التسلسلي. لكن ذلك الإبداع التربوي تسارع بالهبوط إلى أدنى درجاته حتى باتت طريقة التعليم المُتّبعة هي "طريقة التلقين"، سواءاً في المدرسة أو الجامعة أو حلقة الشيخ في المسجد ولم تسلم منه الحركة الإسلامية في مناهجها التكوينية للأفراد، ليس فقط لتقليدها بقية المدارس بل لعوامل أخرى خطيرة أهمها محاربة الحوار الداخلي وإبقاء ما كان على ما كان، خوفاً مما سينتجه الحوار من مراجعات نقدية داخلية للسياسات والمنهجيات وإعمال للنظر والتقويم وشيوع ذلك بين المنتمين للعمل الإسلامي، ناهيك عن تطوره إلى المطالبة بمحاسبة المقصرّين وانتقاد الأداء القيادي الداخلي، وهو ما يُعتبر من الكبائر الداخلية التي تُوجب محاسبة سريعة وإسكات للشوشرة بل وتجريم للعضو المبتدع جديداً في الصف بما لم تعهده طوائف المسارعين بالتنفيذ بلا نقاش!

لابد من احترام التخصصات والإفساح للعقول، وإشاعة التربية الحوارية لا التلقينية، والإشراك في الهم والمهمة لا الأستاذية، والتربية القيادية لا التبعية؛ حتى يشيع الهم من رأس الهرم إلى قاعه

إن ظاهرة التلقين في جميع مراحل العمل التكويني تُعدّ حارساً أميناً للقيادات العتيقة المعارضة ضد أي رؤية نقدية وتجديدية وتغييرية، لذلك هي المُحبّذة في التنظيمات الأيدولوجية كونها تقلب العضو إلى آلة ميكانيكية تفقد المرونة والمراجعة والنقاش، وتحوّله إلى التنفيذ الفوري على طريقة الثكنات العسكرية.. بل إن طريقة التلقين تقتل الإبداع في داخل الصف من الكوادر العديدة المتخصصة في كافة المجالات والتي ارتضت المشروع الإسلامي وانتمت إليه بحب، ثم ما لبث أن حوّلها إلى آلات مكدّسة في الداخل جُلّ عملها هو إضافة عناصر جديدة للعمل دون أي خدمة تخصصية منتظرة أو تسخير لطاقاتها في مشاريع وبرامج تعود بالنفع للمشروع الإسلامي والصالح الوطني العام. ولعل هذه المصيبة التربوية التي تنشئ أتباعاً لا قادة، وعساكر تنفيذ لا شركاء مشروع، وشيوخ تلقين لا أساتذة حوار هي التي تنعكس على الواقع في التعامل مع الفرقاء السياسيين، فيغيب الحوار مع الشركاء والخصوم، وتحدث العُزلة السياسية للحركة، ثم يضرب النظام ضربته، بلا هوادة، وبلا بواكي لهم من المجتمع الذي انعزلوا عنه!

كما أن هذه الطريقة التربوية الخطيرة، هي التي تقتل الذاتية وروح المبادرة للأعضاء، حتى يتحوّل جُلهم أو أكثرهم إلى آلات صماء تنتظر ما ينزل من فوق من القيادات القديمة لتنفذه على الفور دون الإبداع الذاتي وتسخير نعمة العقل الذي وهبها الله للإنسان، ناهيك عن أن تقوم بمشاريع تجديد وإنقاذ طموحة تصحح المسار الحركي أو الوطني بشكل عام.

إن الحركة التي تحوي آلاف الكوادر من كافة التخصصات وتستطيع أن تبلّور مشاريع متعددة تخصصية كلٌّ في مجاله، ثم تعطّلهم داخلها حتى تأتي القرارات القيادية بالتحرك أو التوقف أو العمل في هذا الإطار وترك الآخر مع الفشل القيادي المتكرر، لَهِي تقتلهم داخلها، وتبرهن على صدق الادعاء الذي يرميه بعضهم على الحركة من أنها تجمع الكم لا الكيف، وبالتالي تكون النتيجة إما موت الكوادر داخلياً، أو هجرتها للخارج، وقليلٌ منهم من يأخذ زمام المبادرة ويقول : ها أنا ذا ... "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظٌ عليم"، هذا إن لم يُتّهم بالبحث عن منصب قيادي أو تصيبه آلة التنظيم الجارحة!

أما إنه لابد من احترام التخصصات والإفساح للعقول، وإشاعة التربية الحوارية لا التلقينية، والإشراك في الهم والمهمة لا الأستاذية، والتربية القيادية لا التبعية؛ حتى يشيع الهم من رأس الهرم إلى قاعه، ويتحول الأعضاء إلى رجال مشروع وإنتاج، لا عساكر تنفيذ وبضائع مُكّدسة معرّضة للاضمحلال!

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة