مهدي
مهدي
468

غربلة بلا غربال

13/3/2017
بالإضافة إلى ظاهرة الهوس بقراءة الروايات الأدبية العاطفية واعتبارها شعارًا للثقافة والتحضّر! هناك ظاهرة في تزايد ملحوظ على مواقع التواصل الاجتماعي، وهي تصدّر بعض الشباب الجامعي المُثقّف للكتابة في موضوعات فكرية واجتماعية وسياسيّة، أطروحات تمسّ الواقع وتحاول مقاربة التحدّيات الحضاريّة، فيها عُمق وتحليل فلسفي مُميّز بتراكيب لغوية جميلة ورُوح انفتاحيّة مُغرية للأمانة! إلّا أنّ أهم ما أنتقده عليهم شيئان أساسيان وأشياء أخرى ثانوية لا داعي لذكرها الآن:

الأمر الأوّل: الجُرأة على بعض موضوعات التّراث الإسلامي الحسّاسة (كقضايا المرأة وقضايا الحُريّة وحقوق الإنسان وقراءة الأحداث السياسية بين الصحابة) مِن غير تحصيلٍ لأدواتِ فهمِه واستيعابِ سياقاته التاريخية (أي التراث) فضلا عن أدوات فحصه وتمحيصه والاستدراك عليه! وذلك أنّهم ارتاحوا في تحصيلهم الثقافي والعلمي المبدئي للنّتاج الأدبي والفلسفي والفكري لبعض الأُدباء والفلاسفة والمفكِّرين الغربيين؛ فأصبحوا ينفرون من فهوم الفقهاء والمحدّثين والمفسّرين بل حتّى المفكّرين الإسلاميين! وصاروا يأنسون لمُقاربات وكتابات العقل الغربي المتحضّر خلافًا لمُقاربات العقل العربي المتوحّش المتحجّر (في نظرهم)! وكلّ هذا في نظري تُداخلُه آثار العوامل النفسية الخفية في التعاطي مع مثل هذه القضايا ويؤثّر فيه البُعد عن الدراسة المتخصّصة العميقة.

بفعل الجهل المنهجي بأدوات فهم التراث وسياقاته وبفعل الانبهار بكتابات العقل الغربي تمّ الخلط بين الإنتاج البشري في التّراث الإسلامي وبين قواطع الوحي القرآني.
الأمر الثاني: النسبيّة المُطلقة التي وقعوا فيها وتتمثّل هذه المعضلة المنهجية عندهم في عدم ثبات أيّ مفهوم في أذهانهم نُحاكِم إليه المصطلحات والأفكار في تقرير القضايا وتوصيفها وتقييمها! فلا يوجد ميزان مشترك والكلّ له أن يعتقد أيّ شيء حول أيّ شيء بلا معيار ثابت يُميَّزُ به الحقُّ من الباطلِ والصواب من الخطأ والقبول من الردّ، وقد وصلت بهم هذه النسبية العائمة إلى التشكيك في كلّ شيء تقريبا! ويا ليته كان شكّا منهجيا يبتغي الحقّ في البحث، إنما هو الشكّ العدمي والسفسطة التي لا تُؤمن بأيّ حقيقة من الحقائق، وبفعل هذه الرّوح المتمرّدة (ردود أفعال مشحونة ومعانِدة) نتيجة للخطاب الكهنوتي المتأسلم المُغالي، والذي سيطر على العقول والقلوب ردحًا من الزّمن، تمّ تشكيكُ عددٍ كبير من الشباب في حقيقة الإسلام وصدق النبوّة وشرف القيم الأخلاقية ورسوخ الثوابت، بل وصل التشكيك في وجود الإله الخالق!

وإذا أردنا أن نخرج بحوصلة لهذا النقد نقول: بفعل الجهل المنهجي بأدوات فهم التراث وسياقاته وبفعل الانبهار بكتابات العقل الغربي تمّ الخلط بين الإنتاج البشري في التّراث الإسلامي (محلّ النقد والاستدراك) وبين قواطع الوحي القرآني (محلّ التقديس والاحترام) ليتمّ التهجّم عليهما معًا بشكل عشوائي والتشكيك في الثاني رأسا! عشوائية وتشكيك لا يخضع أيّ منهُما لمنهج عقلي علمي واضح بسبب النسبية المُطلقة والسفسطة المُتّبعة ابتداءً في حركة التفكير، طريقة عائمة مائعة أفقدت الألفاظ معانيها والحقائق مبانيها وأبطلت ثمرة الحوارات الهادئة والمناظرات والمناقشات العلمية.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة