د. خالد كمال الدين
د. خالد كمال الدين
2.9 k

أذان فوق سور الصين

15/3/2017

مع ارتطام عجلات الطائرة على أرض مطار بكين، بدأت الحيوية تدب في أعضاء الوفد الذي كنت ضمنه والمكون من ممثلين عن 15 دولة اَسيوية من بينها 5 دول عربية، كانت تربطني مع الوفود العربية علاقة زمالة ومجاملات تفرضها اللغة والجوار نسبة للشعوب الاَسيوية الأخرى. هبطنا من الطائرة وكان في انتظارنا باص كبير استقليناه متوجهين إلى عاصمة دولة الصين، حيث قدموا لكل منا الخبز وقطعة نقانق وعلبة حليب وقنينة ماء. انطلق الباص بنا إلى سور الصين العظيم، وجهته الأولى في زيارتنا إلى بكين ومع اقترابنا بدأ يبدو لنا هذا المعلم المهيب والذي يلتف بين الجبال كأنه حية تسعى لا يدرك الشاخص ببصره بداية لها ولا نهاية.
 

توقف الباص وبدأنا بالنزول وقد انتابنا الذهول لضخامة هذه العجيبة من عجائب الدنيا السبع. ولم يوقظنا من حديث النفس إلا نداء المنظمين يدعونا لخوض مغامرة صعود سلالم هذا السور نحو القمم اللامتناهية وفعلاً استجبنا للنداء وبدأنا رحلتنا صعوداً مخلفين وراءنا بعض من استهاب هذه المغامرة المحفوفة بالتحديات. وبعد مسير طويل، ومع وصولنا إلى إحدى القمم حيث يوجد برج عسكري قديم، توقفنا ونظرنا خلفنا فإذا بالمشهد يكشف عن عظمة هذا السور حيث أصبحت الأرض ممتدة تحتنا فيما نحن نعانق السماء.

صدح الصوت الأزلي منادياً: "استووا إلى الصلاة" وكأنه يكرس من أعلى القمة قانوناً أزلياً بسواسية جميع الأعراق التي وقفت يدفعها الفضول لمشاهدتنا بأن بني البشر سواسية ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.

في هذه اللحظات انتابني شعور غريب. أحسست أنني قريب من الله وأنني أريد أن أتكلم معه، أحسست أنني أريد أن أزرع في هذا البرج وعلى قمته ذكرى خالدة وكأنني ذلك المتسلق الذي يزرع رايته فوق قمم لم يطأها أحد قبله، شعور غريب عجيب لا يفهمه إلا من يحس به. مناجاة تقول : "أريد أن أترك شيئاً هنا يشفع لي يوم ألقاك".

 

وبدون سابق تخطيط وبأعلى صوتي، ومن أعلى القمة هتفت: "الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله الا الله وأشهد أن محمداً رسول الله" واستمريت في الأذان حتى نهايته "حيَّ على الصلاة.. حيَّ على الفلاح.. الله أكبر الله أكبر، لا إله الا الله". نعم لقد أذَّنت لصلاة العصر وبأعلى صوتي، ولكن أذاني اخترق الزمان والمكان، أو هكذا شعرت. نعم وأنا أتمتم كلمة: أشهد أن محمداً رسول الله، أحسست به بقربي يسمعني وأنني بقربه أناجيه ويناجيني. المسجد النبوي هو أم بكين لا أعلم ولكني أعرف أنهما كانا شيئاً واحداً في تلك اللحظة.
 

فتحت عيني بعد أن انتهيت من الأذان، وفوجئت بوجوه أناس كثر ينظرون إلي. عيون كثيرة تحمل ألف سؤال: وجوه من جميع أصقاع الأرض بينها الأصفر والأبيض والأسمر والأسود. منها المتعجب ومنها الفضولي ومنها وجوه زملائي العرب في المؤتمر. وبدأت الأحداث تتسارع بعد هذه الحادثة. وكان أولها من زملائي العرب، الذين انسلوا بشكل خفي وكأنهم يدبون على رؤوس أصابعهم نحو زوايا البرج، وأخرج كل واحد منهم ما تبقى معه من ماء في زجاجته الصغيرة التي استلمها ليبدأ بالوضوء. نعم لقد سمعوا النداء، نعم إنهم يلبونه، نعم نحن إخوان ولسنا زملاء، نعم نحن قوم أعزنا الله بالإسلام ولو ابتغينا العزة بغيره سيذلنا الله، نعم ومن هذه اللحظة نحن إخوان وبقينا كذلك حتى كتابة هذه الكلمات لا يفرق بيننا شيء.
 

أما الحادثة الثانية فكانت أن قام أحد الإخوة وبشكل تلقائي بإخراج قطعة قماش عبارة عما يشبه سجادة صلاة وبشكل عفوي أقيمت صلاة الجماعة في البرج تحت نظر الزوار والسياح وتصوير الكاميرات. وطبعاً صدح الصوت الأزلي منادياً: "استووا إلى الصلاة" وكأنه يكرس من أعلى القمة قانوناً أزلياً بسواسية جميع الأعراق التي وقفت يدفعها الفضول لمشاهدتنا بأن بني البشر سواسية ولا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
 

أما الحادثة الثالثة فكانت درساً لي لم أكن لأصدق أنه قد يحدث معي بل كنت أعد القصص المشابهة له نوعا من الخيال أو حديث نفس طالما توارثته الروايات بين الأجيال، أو لعله كرامات نتندر بها، تقدمت مني شابة صينية مبتسمة وسألتني باللغة الإنجليزية وبكل أدب: "ما هذه الأغنية الجميلة التي كنت تترنم بها؟" وأضافت: "لقد سمعتها مراراً عند زيارتي مدينة أبوظبي وأحببت نغمتها كثيراً" وتابعت قائلة: "إنهم يرددونها كثيراً هناك، وأنا سعيدة أن سمعتها منك الآن".
 

أيقنتُ أن الجمال الذي سمعته السيدة هو جمال الكلمات والمعاني للأذان الذي تكرر عليها في أبوظبي وليس جمال الصوت.

توقفت مذهولاً أمام ما أسمع، وبدأت أحدث نفسي: "ترنيمة جميلة، والله إني أملك صوتاً لا يطرب له أحد، حتى أنا نفسي لا أطرب لصوتي! ماذا أعجبها في كلمات لم تفهم وتفقه من معانيها شيئاً تخرج من شاب لا يعلم من لحن الأصوات شيئاً". وأجبتها بعد طول صمت: "إنه أذان المسلمين، نكرره 5 مرات في اليوم وهو ما سمعتيه من مآذن المساجد في أبوظبي". وأيقنتُ أن الجمال الذي سمعته السيدة هو جمال الكلمات والمعاني وليس جمال الصوت، فقلت لها مستفسراً: "أتحبين أن أفسر لك معنى الكلمات التي كنت أترنم بها؟". فأجابت برغبتها الشديدة في ذلك، وبدأت بترجمة معاني الأذان لها، وهذا ما فتح باباً في الحوار حول الإسلام الذي لا تعرف السيدة عنه شيئاً سوى أنه حضارة شرقية ليس إلا.
 

فسألتها إن كانت مهتمة بمعرفة بعض التفاصيل عن هذا الدين، وطبعاً دفعها الفضول للاستماع أكثر فأشارت برأسها معلنة الموافقة. فبدأت بعرض مقارنة بين واقع المرأة الكادحة حسب مشاهداتي في الصين وواقعها حسب التعاليم الإسلامية واستفضت في شرحي للموضوع، حتى لاحظت تغيراً في قسمات وجه الشابة فسألتها عن حالها فقالت لي: "ليتني ولدت عندكم وبينكم". فتوقفت عن الكلام، وهام فكري في اللامكان، وقلت لنفسي: "الحمد لله أنك لم تكوني بيننا لأنك لن تري الإسلام عندها. لقد عاد الإسلام غريباً في بلادي. وتذكرت قوله عز وجل في سورة الممتحنة: "رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5)".
 

ورغم مرارة الجواب تابعت حديثي معها، وتحدثنا عن أكثر ما يقلق الناس في تلك البلاد وطرحت عليها سؤالي: "وماذا بعد الموت؟" فإذا بالحياة تتوقف في عينيها معلنة العجز عن الإجابة المنطقية على سؤالي، فقلت لها متبسماً: "لدينا الجواب المنطقي على كل الأسئلة التي تقلق الناس عن رحلة ما بعد الموت، وأرجو أن تقرأي الجواب على سؤالي في أدبيات ديننا".
 

وارتفع صوت "زمّور" الباص معلناً نهاية الرحلة والحوار الذي دام حوالي ساعة مع سيدة تمثل شعباً كاملاً وأمة دخل الكثير منها الإسلام تأسياً بسلوك تجار المسلمين الذين جابوا بقاع الأرض معلنين للبشرية مقولة رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة