لماذا علينا طرح مشكلة الإلحاد للمناقشة؟

15/3/2017
تحدثت في التدوينة السابقة على مدونات الجزيرة عن الظروف التي نشأ فيها الإلحاد في بلاد الغرب قبل أن ينتقل إلى بلادنا في بداية منتصف القرن الماضي، وعرضت ملخصاً وجيزاً جداً عن تلك الظروف، وكنت سأتحدث في هذه التدوينة عن صفات الملحدين وسماتهم العامة منطلقاً من أفكار وطروحات بعضهم في كتبهم ومحاضراتهم التي يروجون فيها لأفكارهم، ولكن قبل أن أتعرض لهذا الموضوع الهام خطر في بالي أنه قد يسأل سائلٌ أن لماذا علينا طرح مشكلة الإلحاد ووضعها في إطار المناقشة والتحليل؟

أليس من الأفضل لنا العمل بمبدأ أن نميت الشيء بعدم الحديث عنه؟ وللإجابة عن السؤال الأول، فإن طرح مشكلة الإلحاد لم تعد ترفاً فكرياً بالمطلق، بل علينا طرحها ومناقشتها لثلاثة أسباب رئيسية وهي:

1- جمر تحت الرماد:
ربما لا يبدو أمام الناظر غير المدقق أن الإلحاد ينتشر رويداً رويداً في منطقتنا، ويجري الترويج لأفكاره على قدم وساق من قبل جهات عدة، ولكن فقط بالبحث لعدة ساعات في الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي سنجد مئات الصفحات والمواقع المؤيدة للإلحاد، وفيها عشرات المواضيع والشبهات ويشارك فيها كثير من الشباب، وبعض هذه الصفحات مسفر الوجه ينشر الإلحاد وكراهية الأديان مباشرة، وبعضها يدس السم في العسل من خلال طرح مواضيع علمية منتقاة لهذا الغرض ويدعي الترويج للعلم وحب المعرفة، بينما الهدف الرئيسي هو تأليب زواره وخاصة من الشباب على الأديان ونشر الإلحاد باسم العلم والعقل.

ومن جانب آخر فهناك أرقام مخيفة كشف عنها استطلاع للرأي أجراه معهد غالوب ونشرته صحيفة الواشنطن بوست، ويظهر زيادة أعداد الملحدين في بعض أقطارنا العربية، والذي وصل إلى حوالي عشر السكان في بعض البلدان! وإن كان التشكيك في هذه الأرقام وارتفاع معدلاتها وارداً فإن هذا لا يخفي وجود مشكلة بدأت تتفاقم ولم تظهر على السطح تماماً حتى الآن.

الإنترنت والفضائيات جعلت انتشار الأفكار سهلاً ويسيراً، ومنها الإلحاد، لذلك فالأفضل لنا هو نقد الأفكار السيئة وبيان عوارتها للناس وتحصين بيتنا الداخلي أفضل من أن نسكت ونغض الطرف عن مشكلة موجودة وقائمة.
2- قوة بضاعتنا:
من عادة من يخفي شيئاً عن الآخرين أو يتهرب من طرح أفكاره أمامهم أن يكون في أفكاره أو طرحه خلل أو شرخ واضح، وإذا تكلمنا من منطلق الدين الإسلامي على الأقل فليس في ديننا شيء نريد إخفاءه أو توريته عن الناس فكل الشبهات قابلة للمناقشة والرد عليها، وهذا كان الأسلوب المتبع في القرآن الكريم وسأكتفي بمثال واحد من رد القرآن على شبهة إحياء الأنفس بعد موتها، ففي سورة ياسين قال تعالى (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (78) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ ۖ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (79)) وهكذا كان أسلوب القرآن في ردود أخرى في قضايا التوحيد والملائكة واليوم الآخر وغيرها من المواضيع، وأن معظم الشبهات التي يوردها الملحدون في بلادنا مستوحاة من أفكار غربية وتم الرد عليها على مدار السنين الماضية، وهي بجزئياتها العامة تخضع لنفس منطق وأسلوب الأقدمين ممن أشرك أو رفض وجود الله في الأزمان الماضية، إلا أنها في الوقت الحالي أصبحت أشد تعقيداً بحكم الزيادة الطارئة في تعقيد العلوم والتكنولوجيا والحياة اليومية، فإذا ما تمت دراستها من قبل المختصين تمكنا حينها من الرد عليها وتفنيدها.

3- الوقاية خير من العلاج:
إذا افترضنا جدلاً أن السبب الأول غير موجود وإنما هو مبالغة كبيرة، فإنه كما الوقاية خير من العلاج بالنسبة لجسد الإنسان كذلك هي بالنسبة للمجتمعات والأفكار، فعرض المشاكل الفكرية والاجتماعية الموجودة لدى االغرب والتحذير منها ومن أخطارها ورد شبهاتها خير لنا من الانتظار حتى تأتي هذه المشكلات إلى عقر ديارنا، وتتغلغل في مجتمعاتنا ويصعب حينها إلى حد كبير الوقوف في وجهها والتصدي لها، فعلينا من الآن بناء جدار صد قوي لهذه الأفكار من خلال كثرة التعرض لها ورد شبهاتها، فمشكلة الإلحاد تستهدف بنية المجتمع وتهدف إلى تدمير قيم الأخلاق ونشر المادية المسفرة في المجتمعات وتحويل الإنسان إلى مجرد آلة خالية من القيم والمشاعر تبحث عن لذاتها وإن كان ذلك على حساب الآخرين، حيث يقول دوستوفيسكي في روايته الشهيرة الإخوة كارمازوف: "إنه في عالم بلا إله كل شيء مباح."

وهذه باعتقادي هي غاية الإلحاد النهائية. وكما يقول المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي: "أننا لن نستعمر إلا إذا كانت لدينا قابلية للاستعمار"، فكذلك الأمر في استعمار الأفكار والعقول، فإذا تم التعرض لأفكار الإلحاد والرد على شبهاتها وتبيان ضعفها وقلة حيلتها للناس أصبحنا حينها محصنين ضد استعمار الأفكار القادم إلينا من الخارج وقادرين على الوقوف في وجه الغزو الفكري الذي يستهدفنا.

أما سؤال أليس من الأفضل لنا إماتة الشيء بعدم ذكره والتعرض عليه؟ فإن كان هذا الأمر ممكنا في سابق الأزمان فإنه لم يعد ممكنا الآن مطلقاً، فمنطقتنا ليست بمعزولة عن العالم بل على العكس تماماً، فكل شيء أصبح متاحاً بسهولة من خلال الإنترنت والفضائيات التي جعلت من انتشار الأفكار سهلاً ويسيراً، لذلك فالأفضل لنا هو نقد الأفكار السيئة وبيان عوارتها للناس وتحصين بيتنا الداخلي أفضل من أن نسكت ونغض الطرف عن مشكلة موجودة وقائمة.

* أتابع في التدوينة القادمة إن شاء الله الحديث عن صفات الملحدين من كلامهم وكتبهم وسأبدأ بالعالم المشهور ستيفن هوكينغ.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة