لماذا يخافون أردوغان؟

16/3/2017
منذ الإعلان عن رغبة الحكومة التركية في القيام باستفتاء جماهيري للتحول إلى النظام الرئاسي، والغرب لم يهدأ له بال، وظل منشغلاً أكثر من الأتراك المعارضين، لتعطيل هذا الأمر أو وأده إن جاز له ذلك، فقد دخلت بعض الدول الأوروبية في تماس وأزمات تتراوح درجاتها في الشدة والعمق، لكنها وصلت مؤخراً إلى درجة من العمق كبيرة مع هولندا، حين قامت بفعل غير مقبول دولياً، لا قانوناً ولا دبلوماسية، وذلك حين منعت طائرة وزير خارجية تركيا من دخول الأجواء الهولندية، للحيلولة دون التقائه بالجالية التركية في هولندا، وساقت أمستردام لعملها مبررات غير منطقية ولا مقبولة.

 

دخلت الدولتان فوراً في معركة تصريحات إعلامية نارية، إلى الدرجة التي شعرت هولندا أنها دخلت منطقة بالغة الخطورة والتعقيد مع دولة كبيرة مثل تركيا، الأمر الذي يمكن به تفسير التدخل الفرنسي للتهدئة، وتبعته الدعوة الأمريكية للتهدئة أيضاً، ولا يتدخل الغرب سريعاً في هكذا ظروف، إلا حين يكون أحد أعضائه في مأزق حقيقي، على عكس ما هو ملحوظ من البرود الأوروبي تجاه قضايا وأزمات عالمية بالغة الخطورة.. فهكذا هي الازدواجية الغربية، تتضح للعيان بين فترة وأخرى.
 

أوروبا تعيش حالة قلق وتوتر منذ أن بدأ نجم هذا البلد بالبزوغ والصعود في السنوات العشر الأخيرة، وربما الأمر كان سيمر مرور الكرام لو لم يكن في الحكم الآن، حزب العدالة والتنمية، وتحديداً لو لم يكن هذا الرجل موجوداً.. إنه الطيب رجب أردوغان. الرجل الذي يعتبره الغرب، السلطان العثماني الثامن والثلاثين، بعد سيء الحظ، السلطان عبد المجيد الثاني، الذي شهد إلغاء الخلافة الإسلامية على يد مصطفى كمال، ونُفي خارج البلاد، فكان آخر خلفاء بني عثمان وآخر خلفاء المسلمين.. ومن هنا يرى الغرب في أردوغان، سلطاناً عثمانياً جديداً قادراً في الوقت ذاته، ومتطلعاً لاستعادة أمجاد خلفاء بني عثمان الأقوياء.
 

ما يخيف الغرب فعلياً، أن تركيا  يمكن اعتبارها نواة لمشروع دولة عظمى تشق طريقها بكل ثبات في هذا التوقيت من تاريخ العالم، وإن تاريخها السياسي يدعم هذا الأمر.

المتأمل فيما يحدث الآن، يمكنه رؤية بعض أسباب هذا التربص وهذه العداوة لتركيا، ومحاولة الغرب عرقلتها وتطويقها أو تحجميها، إن صح التعبير، هو بعض السمت الإسلامي الظاهر على بعض توجهات ورؤى الحزب الحاكم عموماً أو بعض رموزه خصوصاً، وما نتج عن ذلك من آثار مادية على شكل أعمال وسلوكيات متجسدة على أرض الواقع، رغم أن الحزب يعلن عن نفسه أنه حزب سياسي صرف، لا يقوم على أساس ديني.
 

ما يقوم به الحزب الحاكم في تركيا، بالمقارنة مع دول إسلامية أخرى كمثال، لا يمكن اعتباره حزباً إسلامياً دينياً أو اعتبار تركيا دولة إسلامية دينية بالمفهوم المتعارف عليه، الأمر الذي يبعث على التساؤل ها هنا، وخاصة بعد أحداث كبيرة كمحاولة الانقلاب الفاشلة في الصيف الفائت، والاحتكاك الأوروبي الحاصل الآن: لم كل هذا العداء من الداخل والخارج لهذا البلد أو هذا الحزب الحاكم تحديداً، بل أكثر دقة، لهذا الرئيس. فيما الأمر يختلف مع أقطار أخرى إسلامية، عربية كانت أم غيرها؟
 

وإذا استحضرنا سريعاً بعض مشاهد الماضي؛ سنجد أن تاريخ الدولة التركية ليس بالذي يمكن أن ينساه أو يتناساه الغرب الأوروبي على وجه التحديد، مدعوماً بالأمريكي. فالإمبراطورية العثمانية بالذاكرة الغربية الأوروبية، ما زالت تأخذ حيزاً مهماً بارزاً فيها.. فإن دولة اتسعت وسادت مساحات هائلة في الشرق والغرب، وكانت من الدول العظمى صاحبة القرار في الشأن العالمي في فترة ماضية تقل عن قرن من الزمان، إنما كانت بداياتها شبيهة بما يحدث اليوم في تركيا وعلى يد الحزب الحاكم الحالي.. واقرأ إن شئت تاريخ نشوء وظهور الدولة العثمانية، ومن بعد القراءة العميقة، ستدرك مغزى الذي يجري ضد تركيا ورئيسها تحديداً.
 

ما يخيف الغرب فعلياً، أن تركيا وبكل اختصار، يمكن اعتبارها نواة لمشروع دولة عظمى تشق طريقها بكل ثبات في هذا التوقيت من تاريخ العالم، وإن تاريخها السياسي يدعم هذا الأمر، فيما تاريخها العريق المرتبط بالدين الإسلامي والحضارة الإسلامية، كافية جداً لتكون هي كذلك بمثابة الوقود اللازم للدفع بهذا المشروع مرة أخرى للبروز والظهور، وخصوصاً أن موقعها الجيوسياسي والاقتصاد الحيوي والديمغرافيا الفاعلة، كلها عوامل إضافية داعمة دافعة، وهذا هو عين ما يخشاه الغرب تحديداً، الذي يرى أبعد بكثير مما يراه الجوار من العرب.
 

بناءً على المعطيات السابقة، يمكن البدء بتحليل وتفسير وفهم تحركات وخطوات هذا الغرب، التي تدور أغلبها ضمن إطار عرقلة هذا المشروع بكل وسيلة، وتأجيله قدر المستطاع. فهو لا يرى بأساً أن يضرب بكل مبادئه وقيمه المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، في سبيل وأد هذا المشروع في مراحله الأولى، والتي يرى البدء في عرقلة ومنع تحويل نظام الحكم في تركيا إلى رئاسي، خطوة أولى وبالتالي منع وصول أردوغان ليكون هو الرئيس المنتظر لهذا البلد ثانياً. ومن المؤكد أن هذا الغرب لن يجد بأساً وحرجاً أو تردداً في عمله غير السوي هذا، والذي بات مكشوفاً للقاصي والداني، أن يستخدم أدوات تركية أو حتى من الجوار العربي، لعرقلة نمو وتمكين هذه الدولة، وهو ما بدت مؤشراته تتضح أكثر وأكثر منذ الحدث الانقلابي الأخير.. "وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ".

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة