محمد العدوي
محمد العدوي
513

من يحملنا إلى المستقبل

16/3/2017

"ما يستمر إنما هو دائما ما يتجدد" 

(جاستون باشلار)


 
ماذا لو لم تهدم الأيام كثيرا من آثار العصور السالفة أو تُحدِّثها، كنا سنفقد مساحات هامة من مدن كثيرة لن تكون صالحة للحياة المعاصرة، كنا سنَقِفُها للسياحة والتأمل، ولأن التأمل عمل عقلي يمكنه أن يوسع الحدود الضيقة، ولأن الحياة بطبيعتها عملية مع قليل من الشاعرية فقد أبقت لنا ما يُعيننا على التأمل، وهدمت الكثير الباقي لتفسح لنا لنحيا نحن. ماذا لو لم تهدم الأيام كثيرا من ذاكرتنا، تخيل أنه لم يمر عليك موقف في حياتك إلا وهو حاضر في ذاكرتك ووجدانك، كل فرحك وحزنك وألمك وانفعالك وكل حرف، وكلمة ومعلومة، وكل ما حلفت بيقين صادق أنك لن تنساه ونسيته، ماذا سيبقى لك من طعم الحياة التي تعيشها الآن.

 

إن الكتلة الشابة التي أشعلت الربيع العربي هي نفسها وقعت أسيرة للماضي في كثير من خياراتها وتحزباتها وصراعاتها، كأنما ربط التاريخ حجرا في الأقدام، فمن حلّق وقع

يعرف عقلنا كيف يتصرف وحده فيما يرد إليه كل يوم من إدراك وحس، فيوزعه بين طبقات الذاكرة الثلاث، الكثير للذاكرة قصيرة الأجل، والقليل المفيد "من وجهة نظره" للذاكرة الطويلة. ماذا يختار ليبقى؟ هذا سؤال كبير، يجيب عنه علم النفس، وعلوم السلوك لكن القاعدة العامة والهامة هنا، أن ما ينفعك يبقى، وما لا ينفعك يتراجع.

 

لماذا بدأتُ بهذه المقدمة، منذ فترة وأنا أفكر أن الربيع العربي سرعان ما بدا أنه أسير للماضي، ليس فقط لما يراه البعض من سيطرة من عُرفوا بالقيادات التاريخية على المفاصل الحركية المؤثرة في مسار هذا الربيع، بل لأن الكتلة الشابة التي أشعلت الربيع العربي هي نفسها وقعت أسيرة للماضي في كثير من خياراتها وتحزباتها وصراعاتها، كأنما ربط التاريخ حجرا في الأقدام، فمن حلّق وقع، فمن يحملنا للمستقبل؟ ظهرت معركة المستقبل والتاريخ مبكرا مع عصر التحديث العربي، وهو نفسه عصر الاستعمار الأوربي للعالم العربي، ومع الخوف على "الذات" أو تذوب، تضخم التاريخ في نفوس الفئات التي رأت أنها حارسة الهوية من تجريف المستعمرين.

 

ربما منذ ذلك الحين، وربما قبله تظهر علاقة العربي الملتبسة بالتاريخ، ولا أقصد التباس "وجهة النظر التي يرى بها التاريخ" بل "الغاية التي ينظر بها في التاريخ"، وربما دَعَمَت "وجهةُ النظر" الغايةَ في كثير من الأحيان، فمن استشرف القمر، سمى الهلال قمرا، إن الأهلة عن وشك لأقمار. لذلك يقول الدكتور حسين مؤنس: "إن العربي أكثر الناس قراءة للتاريخ وأقلهم انتفاعا به، لذا وقع الأموين في أخطاء الملوك قبلهم، ووقع العباسيون في أخطاء الأمويين الذين ثاروا عليهم، وهكذا".

 

نحن نحمل الكثير من الغضب، الكثير من الثأر، الكثير من اليأس، الكثير من الخوف، الكثير من الشك والريبة، بل والكثير من الكفر أيضا، فمن يحملنا بكل هذا إلى المستقبل؟

إنما الدنيا المستقبل، كل تفكير لها ينبغي أن يكون غايته هو المستقبل، وأما الآخرة فهي "اليوم" ينبغي أن يكون كل عمل فيه موزون بميزانها، فمن راعى "غده" في تفكيره، وأحسن عمله في يومه، وكل غد بعد ذلك هو "يومه" فقد فاز. وكل ما سوى ذلك هو أدوات يؤخذ منها ما يصلح لتحقيق ما سبق. إذا، ونحن ننظر في التاريخ بَعُدَ أو قَرُب، علينا أن نفعل ذلك لأجل المستقبل وحده، من يدري ربما نحتاج اليوم أن ننظر للسنوات الست التي مرت أيضا بعين المستقبل، كيف سيبدو الإنسان العربي بعد عشر سنوات، لنقترب أكثر.. كيف سيبدو الإنسان في مصر بعد عشر سنوات، في سوريا، في العراق.. تختلف المعطيات الاجتماعية من مكان لآخر إلا أن المحددات العامة قد تبدو متشابهة.

 

نحن نحمل الكثير من الغضب، الكثير من الثأر، الكثير من اليأس، الكثير من الخوف، الكثير من الشك والريبة، بل والكثير من الكفر أيضا، فمن يحملنا بكل هذا إلى المستقبل؟ يحملنا إلى المستقبل من يعيد بناء ذاكرتنا فيرمم من الآثار ما ينفعنا، يحملنا إلى المستقبل من يعيد ترميم نفوسنا فترى الكون كما خلقه الله بكل ألوانه، يحملنا من يعلمنا العفو، يحملنا من يعيد بناء رؤيتنا لأنفسنا ومجتمعنا فنرى أننا واحد وإن تلوّنا بألوان شتى، من يجمع المنثور، من ينفث الروح في الإنسان من جديد، من يحيي المجتمع ويؤمن به، ومن يعيد للقيم السوية اعتبارها. يحملنا للمستقبل، أن نعيد النظر في صراعاتنا، وفي أفكارنا التي نفسر بها هذه الصراعات، وأن نعرف حدود طاقاتنا، فنوزعها على امتداد أحلامنا الواسعة. يحملنا إلى المستقبل ألا نُحَمّل التاريخ ما لا يحتمل، وألا نحمل أنفسنا أوزارا مات زمانها.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة