هلال رميتي
هلال رميتي
496

هل هي معاداة لتركيا أم للإسلام؟

17/3/2017
سلطت الأزمة الحاصلة حاليا بين هولندا وألمانيا من جهة، والجمهورية التركية من جهة أخرى، الضوء على جدلية تاريخية تمتد لقرون عديدة لم تخل من الحروب والدماء والسجالات.. فما يحصل اليوم بين تركيا وأوروبا لا يمكن فهمه إلا ضمن سياق تاريخي حكم العلاقة بين الأتراك والأوروبيين، والتي غالبا ما كانت متوترة، ولا تخل من نكهة الثأر لأحداث تاريخية مشتركة لم تستطع على ما يبدو من تصريحات المسؤولين الأتراك والأوروبيين أن تنتهي.

ولإن كانت أوروبا اليوم غير أوروبا الأمس، وكذلك تركيا إلا أن آثار الثقافة وعبء التاريخ وثقل الحضارة في منطقة غنية ومتنوعة بالعرقيات والإثنيات والأديان كانت كفيلة بأن تجعل منظومة العلاقات السياسية والثقافية والحضارية بالدرجة الأولى محكومة بهواجس ومخاوف لم تستطع تحقيق حد أدنى من الثقة بين الطرفين.

ماذا تريد أوروبا؟
وفي العصر الحالي، وبعد ولادة جديدة لتركيا العلمانية التي سقطت فيها آخر خلافة وسلطنة إسلامية كان ذلك عاملا إيجابيا في نظر البعض لأن يراهنوا على بناء علاقات ثقة مع أوروبا تكفل لهم الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وحققت تركيا في هذا المجال إنجازات اقتصادية هائلة سمحت لها بأن تكون أول دولة إسلامية توضع على لائحة الترشيح للاتحاد الأوروبي، بعد أن حققت معظم الشروط اللازمة لذلك، ومع هذا ماطلت أوروبا.

المعركة أو السجال الحاصل بين تركيا وأوروبا اليوم هو سجال وجدل ثقافي بالدرجة الأولى لا يخل من بعد ديني تقليدي مسيحي-إسلامي، مختبئ خلف لباس المدنية.
ماطلت وتحججت وتهربت لأسباب قد يتفهمها البعض إذا ما أخذنا بالمصلحة الأوروبية أولوية، ولكن لا يمكن تفهمها إذا ما قيست بمعايير حقوق الإنسان والحريات في أوروبا. فالهاجس الأوروبي هو في تركيا ذات الثقل البشري الإسلامي القادر على التأثير الحضاري بقوة في قلب أوروبا في حال انضمت تركيا للاتحاد الأوروبي.

 وما يميز تركيا عن أي دولة إسلامية في هذا المضمار هو عاملان يشكلان مصدر خوف وريبة لدى الأوروبيين، وهما المشروع الإسلامي القوي والفتي في تركيا، والذي يحمل رايته اليوم الرئيس رجب طيب أردوغان. والعامل الثاني الحضارة والثقافة التركية الضاربة في أعماق التاريخ والتي تركت لها بصمات في أوروبا، فإذا ما اجتمع المشروع الإسلامي مع الثقل الحضاري والثقافي التاريخي لتركيا يصبح هذا الأمر عامل قلق لدى الأوروبيين كأولوية لمصلحتهم. علما أن قوانين الاتحاد الأوروبي حتى الآن لا تتعارض مع ما تقدمه تركيا أو يمارسه أردوغان مع بعض الاستثناءات.

فتعديل الدستور وتحويل النظام من برلماني إلى رئاسي لا يتعارض مع قوانين الاتحاد الأوروبي، وأبرز مثال فرنسا التي تتبنى نظاما رئاسيا ولا مشكلة في ذلك. لذلك الأمر يتعدى هذا الوضع ليصل إلى منظومة من العلاقات المتوترة التي كانت وما زالت بين أوروبا وتركيا، سواء كانت هذه الـ "تركيا" علمانية أو إسلامية، وسواء كانت أوروبا مسيحية أو علمانية.

فالأمر من جهة الأوروبيين ليس فقط مقتصرا على معاداة الإسلام "الإسلاموفوبيا" بل يتعداه إلى قلق وجودي من مشروع نهضة تركيا الجديدة كقومية عريقة وأمة قوية تحمل مشروعا إسلاميا وبحكم رئاسي مركزي سيترك ثقله وتأثيره الثقافي بالدرجة الأولى على الحياة الاجتماعية وطريقة تفكير الأوروبيين. لذلك يركز اليمين المتطرف الأوروبي على حملات دعائية تحارب انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، وتحذر من "الإسلام" لأنه باعتبارها سيؤثر على قيم الاتحاد الأوروبي من الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، لكن أي إسلام؟

هل الإسلام كديانة تقابله المسيحية واليهودية؟
لا بالطبع! بل ذاك الإسلام صاحب المنظومة الثقافية والسياسية والاجتماعية الذي يتحكم ويحكم المجتمع "الحاكمية" وتراه أوروبا معاديا للحضارة والتقدم والعلمانية، فهي تنظر لأمر الإسلام من بعد ثقافي.

وعليه، المعركة أو السجال الحاصل بين تركيا وأوروبا اليوم هو سجال وجدل ثقافي بالدرجة الأولى لا يخل من بعد ديني تقليدي "مسيحي-إسلامي"، مختبئ خلف لباس "المدنية" ونوستالجيا حضارية من قبل الطرفين للزمن الإمبراطوري. وإذا ما حلت هذه المعضلة الثقافية والتاريخية، فإن العديد من العراقيل ستزول من طريق الطرفين.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة