يوسف عيد
يوسف عيد
1.5 k

رُبَّ أحلام أحيتْ أمة.. أحلام التميمي

18/3/2017
أذكر جيدًا ذلك اليوم الثامن عشر من أكتوبر عام 2011 الذي اكتملت فيه معالم صفقة وفاء الأحرار بتحرير 1047 أسيرًا من سجون الاحتلال ليعانقوا الحرية وعلى رأسهم الصحفية أحلام التميمي، في ذلك الوقت لم أعش عرس تحرير الأسرى مع أبناء شعبي لإقامتي في الجزائر، ولكن ما إن عدتُ حتى اقتنيتُ كتابي الأول للمهندس عبد الله البرغوثي الذي كان بعنوان: "مهندسٌ على الطريق.. أمير الظل" وفي أمير الظل تحدث المهندس عن تفاصيل مقطوعة موسيقية من تأليفه إذ اختار أحلام لتضبط أوتار قيثارة الألحان الناسفة، ليعزف على إثرها الشهيد عز الدين المصري لحنًا من نوع آخر في مطعم سبارو في القدس عام 2001، لتكون مخرجةً في الكواليس وممثلةً محترفة أمام الشاشات، لتعيدنا لزمن البطولات، لنساءٍ من زمن آخر، لأخوات الرجال، فقد شابهتهم قولًا وفعلًا وجَلَدًا، ولكن الملامح اختلفت، ومن سجنها أطلقت صرخات وامعتصماه، ليلبي القائد الشهيد أبو محمد الجعبري النداء، ويكون الصداق في وفاء الأحرار.

الإسلام كرَّم المرأة وأحلام عرفت كيف تستجدي كرامتَها:
إنَّ انخراط المرأة في العمل المقاوم لهو تشريفٌ لها ورفعٌ من قيمتها، وخروجٌ عن النمطية المتبعة في حصر دور المرأة بالتربية فحسب، وهذا حقٌّ ضمنه الإسلام لها، فشقَّت أحلام طريقها في تخصص الصحافة والإعلام الذي يحتاج للشجاعة والجَلَد خصوصًا للفتاة أمام ما يواجهها من عقبات وتحديات، فلم تتخلَّ عن التزامها بمبادئها، بل إنها حوتْ في شخصيتها ما هو أبعد من ذلك، العمل المقاوم، فكانتْ أول صحفية تعمل في كتائب القسام، لترسم بذلك صورةً مشرقة عن استحقاقات المرأة في الإسلام التي لا يقف الرجل أمامها حاجزًا، بل إنها رسمتْ ملامح طريقها كما تشاء وأرشدت إليها العقول ليقع عليها الاختيار لتكون من الأبرار الأحرار.

عندما أُلقي القبض عليها تعرّضت لتعذيبٍ قاسٍ، وحكمت محكمة صهيونية عسكرية عليها بالسجن المؤبّد 1584 عامًا، مع توصية بعدم الإفراج عنها في أية عملية تبادل محتملة للأسرى لكسر إرادتها والنيل من عزيمتها، ولكن كيف لمن اعتزَّت بالإسلام واعتبرته التكريم الأسمى لها أن تذلَّ وتخضع؟! فواجهت الحكم بابتسامة و كلمة وجّهتها للقضاة: "أنا لا أعترف بشرعية هذه المحكمة أو بكم، ولا أريد أن أعرّفكم على نفسي باسمي أو عمري أو حلمي، أنا أعرّفكم على نفسي بأفعالي التي تعرفونها جيدًا، في هذه المحكمة أراكم غاضبين، وهو نفس الغضب الذي في قلبي وقلوب الشعب الفلسطيني وهو أكبر من غضبكم، وإذا قلتم إنه لا يوجد لديّ قلبٌ أو إحساس، فمن إذًا عنده قلب، أنتم؟ أين كانت قلوبكم عندما قتلتم الأطفال في جنين ورفح ورام الله والحرم الإبراهيمي، أين الإحساس؟".

قفوا صفًّا واحدًا مرصوصًا يا شباب الأمة وقولوا لهم: نحنُ أمة أعزنا الله بالإسلام وأعزَّ الإسلام نساءنا، فما عزَّتْ نساؤنا عزَّ إسلامُنا، وإنَّا لا نقبلُ الضيم أبدًا.
وفي أول لقاء لها مع الشهيد الجعبري قال لها باكيًا: "الآن تحقق يا أحلام حلمي بخروجك، الآن أنا ارتحت، أنتِ خرجتِ والحمد لله، الآن سألاقي ربي وأنا مرتاح"، هكذا استجدت أحلامُ كرامتها، وأيُّ كرامةٍ أعظم من أنْ يكون تحريرك حلمًا يُبذل في سبيله الغالي والرخيص.

ترمب: يقاضينا جميعًا، لا يقاضي أحلام فقط:
عادت قضية أحلام للظهور مجددًا إذ أدرجت وزارة العدل الأميركية بتاريخ الرابع عشر من مارس عام 2017 اسم التميمي على قائمة “أخطر الإرهابيين المطلوبين لمكتب التحقيقات الفيدرالي إف بي آي” والقضاء الأميركي، بتهمة تآمرها لاستخدام سلاح دمار شامل ضد أمريكيين خارج الولايات المتحدة، في حين تناست أميركا ترمب الأميركيةَ راشيل كوري التي قتلتها إسرائيل بوحشية في عام 2003 في غزة، لتكون مواقف الإدارة الأميركية الحالية شاهدًا على أنفسهم وعلى ظلمهم، فأحلام تُحاكَم لأحلامها في تحرير الأرض وصون العِرض، هم يحاكمون أحلام التي سكنت في قلب كل شاب وشابة، أحلام التي علَّمتْ نساء الأرض أنَّ في مقدور اللبوة أن تحمي عرين الأسد، هم يريدون محاكمة المقاومة، محاكمة الثورة، يريدون محاكمة الإسلام الذي استمدت أحلام منه قوتها وصبرها، يريدون محاكمة أميرة الأحرار ليشطبوا معنى الوفاء والحرية من قواميسنا، ليختزلوها في إرهاب وقتل، تطرفٌ وتعنُّتٌ تجاه فكرٍ ومعتقَد أكثر منه تجاه شخصٍ بعينه، ولكن لسان حال أحلام وقاعدتها الشعبية التي احتضنتها ولم تتخلَّ عنها لوهلة ينطق: ولكنَّ حُكمًا في بلادي كريمةً، ستبقيه مفقود الجواب يحاوله.

أحلام تحاكم سجَّانها وطالبها وتعلن: العِرض هو أغلى ما نملك:
لا يحفل التاريخ الإسلامي بواقعة انتصار المعتصم لنداء وامعتصماه فحسب، بل إنه يزْخَرُ بصور مشرقة للانتصار للمرأة في شتى المجالات، كيف لا وقد أوصى بهنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "خياركم خياركم لنسائهم"، وأسمتهنَّ العرب: (عمائم الكرام) كنايةً عن علو المنزلة وشرف المكانة، وبهذا حاكمتْ أحلام سجَّانها في الأمس حين انتصر لها رجال المقاومة، وبهذا تحاكم طالِبها اليوم حين وقف شباب الأمة وأحرارها إلى جانبها وقالوا جميعًا: كلنا أحلام، ليثبتوا للعالم أن العِرض لا يُقدَّر بثمن، بأن أخت المرجلة لا يجوز المساس بها، فإن فعلوا فإن الدماء ترخص في سبيلهن، وانتفاضة القدس خيرُ شاهدٍ على ذلك، فأحلام في واقع الفلسطينيين والأردنيين ليست امرأة فحسب، بل رمزًا دينيًا ووطنيًّا، كحال سائر نسائنا، تيجانٌ على رؤوس الرجال، نعم؛ لا بُدَّ للرأس من تاجٍ يزيِّنه، وليس من زينة للرأس كالتَّاجِ.

إنَّ مَثَلَ أحلام كمَثَلِ أم نضال فرحات، وريم الرياشي، ودارين أبو عيشة، وفاطمة النجار، وهبة ضراغمة، ودلال المغربي، ووفاء إدريس، وغيرهن من النساء الماجدات اللواتي قدَّمن الغالي والرخيص في سبيل الله في سبيل الأرض والعِرض، نساءٌ استجدين استحققاتهنَّ برفعة وشرف، أدْركنَ أنَّ حقوق المرأة ليست مجرَّد نداءاتٍ وشعارات، بل حريةٌ تُستجدى في ثوب الطهر والعفاف، في ثوب الانتماء السليم لقضايا الأمة، في ثورة العقل والروح على المفهوم الخاطئ لما هو سائدٌ عند كثيرٍ من النساء من اعتقادات مغلوطة عن حقوقهنّ، ولكنْ لم تنتهي الحكاية بعد، ونداء وامعتصماه ما زال يصدح في القدس وأسوار القدس تنادي به خديجة وهنادي وسناء ولطيفة وغيرهنَّ ممن كرَّسْنَ حياتهنَّ لخدمة الأقصى والقدس دفاعًا عنه وبذلًا في سبيله، وهو النداء الذي تنادي به حرائر سوريا بل تنادي به كل نساء بقاع أرض العرب والمسلمين، ينادين: قفوا صفًّا واحدًا مرصوصًا يا شباب الأمة وقولوا لهم: نحنُ أمة أعزنا الله بالإسلام وأعزَّ الإسلام نساءنا، فما عزَّتْ نساؤنا عزَّ إسلامُنا، وإنَّا لا نقبلُ الضيم أبدًا.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة