مصطفى أبو السعود
مصطفى أبو السعود
81

شمس العرب تشرق على الغرب

18/3/2017
"زيغريد هونكه" كاتبة وباحثة ألمانية لا تربطها بالعرب أي صلة، لكنها على صلة وثيقة بأسس البحث العلمي، فحينما رأت أن كثيرين يتحاملون على العرب، ارتأت السير في سفينة البحث العلمي الموضوعي في رحلة سباحتها في بحر العرب، فسبحت، وتعمقت ودُهشت مما رأت، استنتجت أن العرب ليسوا مجرد نقلة لحضارات الشعوب كالحمار الذي يحمل أسفارا كما تنادي بعض النظريات التاريخية الخاطئة، بل هو قومٌ لهم عقول يفكرون بها، وعندهم طاقات إبداعية مكَّنتهم من ترك بصمات واضحة في كل مجالات الحياة، وزراعة أسس النهضة العالمية في رحم الكون، فكتبت شهادتها بحقهم في مؤلفها الشهير المنصف "شمس العرب تشرق على الغرب".

تقول الكاتبة في الصفحة 354 من مؤلفها "إن هذه القفزة السريعة المدهشة التي قفزها أبناء الصحراء والتي بدأت من اللاشيء، لهي ظاهرة جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني، وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة في هذا العصر لفريدة من نوعها، تجعلها أعظم من أن تقارن بغيرها، وتدعونا هنا أن نقف هنيهة متأملين، كيف حدث هذا؟ وكيف أمكن لشعب لم يمثل دوراً حضارياً أو سياسياً يذكر أن يقف مع الإغريق في فترة وجيزة على قدم المساواة؟"

تقول هونكه "صممت على كتابة هذا المؤلف، وأردت أن أكرم العبقرية العربية وأتيح لمواطنيّ فرصة العودة إلى تكريمها، كما أردت أن أقدم للعرب الشكر على فضلهم، الذي حرمهم من سماعه طويلا تعصب ديني أعمى وجهل أحمق."
لم تبغ "زيغريد هونكه" مجاملة العرب لأنها تعرف أن الباحث الموضوعي لا يجامل أحدا على حساب الحقيقة، بل إن الأمانة في البحث العلمي دفعتها لقول ذلك، كما أن رأيها لم تستنتجه من خلال سباحة على شاطئ العرب أو من خلال اطلاعها على أحوال العرب في علمٍ واحدٍ، أو في فترةٍ زمنيةٍ واحدة، بل اطلعت على كافة علوم العرب وأدلت بشهادتها في كل علم، متجنبة الحكم المسبق عن العرب الذي زعمه المستشرقون وبعض العرب.

وتؤكد "زيغريد هونكه" أنه في مراكز العلم الأوروبية لم يكن هناك عالِمٌ واحد من بين العلماء إلا ومد يديه للكنوز العربية يغرف منها ما شاء الله له أن يغرف، وينهل منها كما ينهل الظمآن من الماء العذب رغبة منه في سد الثغرات التي لديه والارتقاء لمستوى عصره العلمي. ولم تنس "هونكه" التأكيد على أن الأسماء العربية احتلت مقاماً علمياً كبيراً، حيث لجأ بعض الأطباء من شمالي إيطاليا لوضع كتبهم منسوبة لأسماءٍ عربية بغية رفع شأن هذه الكتب وإعلاء كلمتها وكسب ود ورضا أصحاب السلطة الذين أعجبوا بالعرب كل الإعجاب.

ونذكر في النهاية ما قالته "زيغريد" في مقدمة كتابها "لم يكن من قبيل المصادفة البتة أن أكتب أنا السيدة الألمانية هذا الكتاب، فالعرب والألمان تربطهم رابطة قوية من الفكر والثقافة قد وثّقت العرى بينهما، امتدت جذورها في أعماق التاريخ، واستمرت على مرّ القرون، ولا تزالت آثارها حتى اليوم، وقد ظهرت معالم تلك الروابط واتخذت طابع الصداقة والمودة منذ أوقف قيصر ألماني عظيم، أحب العرب وأُعجب بهم، سفك الدماء.. لهذا صممتُ على كتابة هذا المؤلف، وأردت أن أكرِّم العبقرية العربية وأن أتيح لمواطنيّ فرصة العودة إلى تكريمها، كما أردت أن أقدِّم للعرب الشكر على فضلهم، الذي حرمهم من سماعه طويلا تعصُّبٌ دينيٌّ أعمى وجهلٌ أحمق.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة