عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة
664

صندوق الحب (1)

20/3/2017

قبل بضعة أيام، أنهى عبد المجيد سباطة قراءة رواية "أولاد الغيتو" لصاحبها اللبناني إلياس خوري، وهي المرشحة للفوز بالجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" لهذه السنة، وكان ينوي الكتابة عنها هذا الأسبوع، إلا أنني غافلته وأرسلت قصتي لمدونات الجزيرة دون علمه، صحيح أن خوري نفسه اعتمد على سيرتي في صياغة جزء مهم من حبكة روايته، وصحيح أيضا أنني واجهت صعوبة كبيرة في التعامل مع هذا الاختراع العجيب المسمى "الحاسوب".
 

أنا الفارس القادم من العصر الأموي، إلا أنني متأكد من أن قصتي تستحق أن تروى وأن يعرفها الجميع، فليعذرني الروائي اللبناني على استعارتي لعنوان الجزء الأول من أولاد الغيتو "صندوق الحب" لأنني لم أجد أفضل منه عنوانا لهذا النص أو "التدوينة" كما يسميها أهل القرن الواحد والعشرين، وليعذرني عبد المجيد أيضا إن تكلمت بالنيابة عنه هذه المرة، أعلم أن قلبه طيب، وأنه سيسامحني على تطفلي هذا...
 

اسمي عبد الرحمن بن اسماعيل بن عبد كلال، إلا أنني معروف في معظم المصادر والكتب القديمة، وعلى رأسها كتاب "الأغاني" للأصفهاني باسم "وضاح اليمن"، فقد كنت على جانب كبير من الوضاءة والصباحة والوسامة، وكنت معروفا إلى جانب المقنع الكندي وأبو زييد الطائي بأننا لا ندخل إلى أسواق العرب إلا ونحن نخفي وجوهنا بأقنعة، خشية العين ووقوع بعض النسوة في فتنة وسامتنا!
 

أنا أبيض البشرة، أصهب الشعر، مليح الوجه، رقيق القسمات، ويقولون بأنني شارد النظرات، كأن النور يشع من عيني.
 

وصفت الحسناء في شعري فقلت بأنها كاعب وضيئة الطلعة، مصقولة الجبين، شعرها أشقر كذنب الكميت، زجاء الحاجبين، ساجية الطرف، ذلفاء الأنف، عبلة الذراعين، طفلة الكفين، ممشوقة القد.

نشأت في اليمن، في العصر الأموي، العصر الذي ازدهر فيه الأدب ازدهارا نتج عنه تعدد في المواضيع واختلاف في الاتجاهات والمدارس، بين شعر السياسة والهجاء الذي تصدرته أسماء جرير والفرزدق والأخطل وعدي بن الرقاع وغيرهم والغزل العذري الذي اشتهر به عمر بن أبي ربيعة وابن قيس الرقيات والعرجي وجميل بثينة وكثير عزة وغيرهم، لكن حياتي اتسمت منذ بدايتها بالغموض الذي جعل ذكري في كتب الشعر والسير نادرا ومرتبطا بالالتباس والتحفظ، وربما كان ذلك دافعا أساسيا لدى البعض لاعتبار قصة موتي الشهيرة والمثيرة مجرد خيال رومانسي لا يمكن أن يوجد مثله في الواقع.
 

بدأت حكايتي مثل غيرها من حكايات العاشقين بالحب، كنت في قرية الخصيب باليمن، وهي منطقة معروفة بمياهها الوفيرة وسهولها الخضراء، وحقول البهار المنتشرة فيها، شعرت بالعطش فوقفت أمام غدير لأشرب الماء، لتقع عيناي على فتاة حسناء في السادسة عشرة من عمرها، تنتمي إلى قبيلة كندة، قبيلة ملوك العرب التي أنجبت امرئ القيس، واسمها روضة بنت عمرو.
 

وصفتها في شعري فقلت بأنها كاعب وضيئة الطلعة، مصقولة الجبين، شعرها أشقر كذنب الكميت، زجاء الحاجبين، ساجية الطرف، ذلفاء الأنف، عبلة الذراعين، طفلة الكفين، ممشوقة القد.
 

لم يكن اللقاء الأول وديا، لكنني عدت إلى المكان مرة أخرى، منشدا شعرا تمكنت كلماته من النفاذ إلى قلب روضة، وكالعادة وصل خبر لقاءاتنا وحبنا إلى أهلها، فتوعدني إخوتها السبعة بالويل والثبور، وخافت على روضة من بطشهم، فأنشدت أنا لأطمئنها:
 

قالت ألا لا تلجن دارنا           إن أبانا رجل غائر

قلت فإني طالب غرة           منه وسيفي صارم باتر

قالت فحولي أخوة سبعة    قلت فإني غالب قاهر

قالت لقد أعييتنا حجة      فآت إذا ما هجع السامر

وأسقط علينا كسقوط الندى    ليلة لا ناه ولا زاجر
 

لكن الحقيقة أثبتت مرة أخرى بأنها أسوء بكثير من سحر الكلمة وروعة الشعر.. كانت كلماتي كافية لتسكر روضة، فطلبت مني القدوم إلى بيتها مساء اليوم نفسه، متناسية خوفها علي.
 

وكذلك فعلت...
 

سقطت في كمين نصبه سبعة فرسان، وعندما أدركت بأن حياتي في خطر، قررت الهرب، ليجيبني الأشقاء بضحكات ساخرة، واستهزاء من السيف الصارم الباتر الذي ذكرته في قصيدتي، فعلمت بأن شعري قتلني، وأن كرامتي على المحك، فعدت لأخوض معركة خاسرة انتهت بي مرميا بلا حراك، وجراحي توشك على قتلي، بعدما اعتقد الأشقاء بأن ضرباتهم أردتني صريعا.
 

ذهبت إلى وادي المجذومين باحثا عنها، فهالني ما رأيت، بعدما ذهب جمال روضة وتقشر جلدها وتحولت إلى كتلة من العظام، وعندما اقتربت منها أشارت لي بيدها أن أذهب

مر بي أبو زبيد الطائي وحملني إلى أهلي، فبقيت طريح الفراش سنة كاملة، أصارع فيها الموت وأتخيل أي هول لحق بحبيبتي على يد أشقائها. وحدث ما كنت أخشاه، وبطريقة هي أبشع مما كنت أتصور.. خرجت باحثا عن حبيبتي روضة وأنا أنشد:
 

أيا روضة الوضاح، يا خير روضة     لأهلك لو جادوا علينا بمنزل

          رهينك وضاح ذهبت بعقله            فإن شئت فأحييه وإن شئت فاقتلي
 

لأصدم بالحقيقة الصاعقة...
 

قام أهل روضة بتزويجها من كهل في الستين، لتكون زوجة رابعة له، كعقاب لها على علاقتها بي، لكن يبدو أن هذا الزوج قد أخفى عنهم حقيقة إصابته بالجذام، فتوفي أياما قليلة بعد زواجه بروضة، التي تمكن المرض منها، فرماها أهلها في وادي المجذومين، الذي يعيش فيه المرضى في عزلة تامة عن البشر.
 

ذهبت إلى وادي المجذومين باحثا عنها، فهالني ما رأيت، بعدما ذهب جمال روضة وتقشر جلدها وتحولت إلى كتلة من العظام، وعندما اقتربت منها أشارت لي بيدها أن أذهب...
 

لم أنظم شعرا يخلد هذه اللحظة البئيسة، وأي كلام يقال بعد هذا الهول؟ طبيعي إذن أن تتفق كل المصادر التاريخية على أن ما جرى بيني وبين روضة في وادي المجذومين بقي غامضا ومفتوحا على عدة احتمالات.
 

كل ما أذكره هو أنني قمت بشق ثيابي بعد عودتي من وادي المجذومين، وتمرغت في التراب وأصبت بالجنون، وتوقفت عن نظم الشعر، متحولا من وضاح اليمن إلى وضاح المجنون، تهت في البراري متوسدا الرمال وملتحفا السماء، وبذهني ذكريات ماضية من حبي الميت.
 

قالوا بأن الحل الوحيد لشفائي هو دفعي إلى الحج إلى بيت الله الحرام في مكة، لعل الطواف ورمي الجمرات يطهران روحي من آثار هذا العشق المدمر.
 

أسمع همسات هنا وهناك، عن أن ما قلته يشبه إلى حد بعيد قصة مجنون ليلى، قيس، الذي لم يجد أهله حلا لجنونه غير إرساله إلى الحج.
 

لا، أنتم على خطأ...
 

صحيح أنني أتشابه مع قيس في هذه الجزئية، إلا أن ما جرى بعد وصولي إلى مكة مختلف تماما عن تفاصيل حكاية مجنون ليلى.
 

وصولي إلى مكة لم يكن نهاية القصة، بل بدايتها الحقيقية.
 

بدايتها التي تزامنت مع وصول أم البنين زوجة الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك إلى البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج، وما جرى في اللقاء العاصف الذي جمعني بها هناك.
 

فقد...
 

مهلا، يخبرني هذا الجهاز المسمى بـ "الحاسوب" بأنني على وشك تجاوز الحجم المسموح به للنص أو "التدوينة" كما تسمونها، ما يعني أنني مضطر للتوقف هنا وإكمال القصة في الأسبوع القادم. نلتقي إذن بعد أيام قليلة لإكمال قصتي، أنا وضاح اليمن، مع صندوق أم البنين.
 

صندوق الحب.. والصمت.. والموت..

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة