محمد حازم أبو رمضان
محمد حازم أبو رمضان
226

مداولة القضية الفلسطينية في الأروقة الدولية

20/3/2017

شهدنا مؤخرا إصدار لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (إسكوا) تقريرا يتهم الاحتلال الإسرائيلي بتطبيق نظام الفصل العنصري (أبارتايد) ضد جميع الفلسطينيين عبر تفتيت الشعب الفلسطيني سياسيا وجغرافيا وقمع الفلسطينيين وارتكاب جرائم ترقى إلى مستوى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وسرعان ما تعاقبت التصريحات الإعلامية والسياسية وردود الأفعال المتباينة حول هذا التقرير، حيث سارعت القيادات الفلسطينية بإصدار دعوات لمحاكمة إسرائيل دوليا استنادا لهذا التقرير، في حين أن شجبت إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية هذا التقرير واتهمته بالنازية ومعاداة السامية، قبل أن تقوم الامم المتحدة بسحبه كليا، بعد أن نأت بنفسها عن اعتماده وصرحت بأنه يعبر فقط عن رأي كاتبيه ومصدريه.

ما يلفتني هنا ليس كل تلك التداعيات والتصريحات حول التقرير، بل أسلوب تداول القضية الفلسطينية دوليا وسياسيا منذ عقود. فحتى وإن لم تسحبه الأمم المتحدة أو تم بالفعل اعتماده وإقراره دوليا، يبقى السؤال الذي يطرح نفسه دائما بعد إصدار أي تقرير يشجب انتهاكات إسرائيل التي هي بالأصل كيان محتل وقائم على التشريد والقتل والتنكيل بحق آلاف الفلسطينيين يوميا؛ ماذا ستكون النتيجة؟!
 

القرارات والتقارير لا تخدم حتى القضية الفلسطينية كقضية سياسية وحقوقية ومصيرية لشعب بأكمله، بل هي تدخلها في متاهات ودهاليز وتجاذبات وجدالات تطيل أمدها، وتحولها يوما بعد يوم إلى موضوع جانبي على هامش الأجندات السياسية والدولية

فقد شهدنا منذ عقود مئات التقارير والقرارات الدولية التي تشجب جرائم إسرائيل أو تخرج بقرارات تدعم باستحياء حقوق الفلسطينيين، والتي تبقى حبرا على الورق، ولا يدفع ثمنها سوى المواطن الفلسطيني البسيط، الذي يسقط الكيان الصهيوني سخطه عليه بعد تلك التقارير والقرارات من خلال المزيد من أشكال الانتهاكات والاستيطان والحصار والتشريد، التي ترسل إسرائيل من خلالها رسالة واضحة للعالم بأنها ستضرب بعرض الحائط كل ما يخالف مصالحها وأطماعها وسياساتها من قرارات أو آراء دولية أو إقليمية، بل وتفرض سياسة الأمر الواقع في تحد صريح وواضح، وكأنها تقول لهم "ماذا أنتم بفاعلون؟!"

المشكلة هنا هي أن هذه القرارات والتقارير برأيي لا تخدم حتى القضية الفلسطينية كقضية سياسية وحقوقية ومصيرية لشعب بأكمله، بل هي تدخلها في متاهات ودهاليز وتجاذبات وجدالات تطيل أمدها، وتحولها يوما بعد يوم إلى موضوع جانبي على هامش الأجندات السياسية والدولية، محكوما بسياسة الأمر الواقع التي تنتهجها إسرائيل من خلال ممارساتها في تهويد وتغيير الملامح الديموغرافية والهوية القومية والتاريخية للأراضي الفلسطينية يوما بعد يوم وبسرعة فائقة.


والغريب في الأمر أن أي إنسان عاقل، ولا يفقه حتى في أبجديات السياسة الدولية، يستطيع أن يدرك أن هذا النهج أثبت فشله الذريع على مر العقود الماضية. فلماذا هذا الإصرار الأعمى على الاستمرار في إتباعه، والجميع يعلم مسبقا أنه لن يفضي بأي مكاسب ملموسة على أرض الواقع. فعندما يتعلق الأمر بالاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية، فإن المعايير والحسابات الإسرائيلية تختلف تماما عنها في القضايا الأخرى كاحتلال إسرائيل للجنوب اللبناني وسيناء المصرية في الماضي. فإن إسرائيل ترى في الأراضي الفلسطينية المحتلة خطا أحمرا غير قابل للنقاش أو التفاوض، وأن أي تنازل في هذه القضية يهدد جوهر وجودها، وهو الأمر الذي لن تقبل به حتى وإن كان لحليفتها الاستراتيجية الولايات المتحدة الأمريكية رأيا مغايرا حياله.

يمكنني أن أتفهم السعي والحراك في المحافل الدولية للدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني إن كان هناك احتمال ضئيل بأن تتخذ إجراءات فعلية على أرض الواقع حيال هذه التحركات أو ما تخرج به من قرارات. ولكن، طالما أننا نعلم مسبقا بأن هذه التجاذبات والتداولات والمحادثات التي لفت العالم أجمع لن تفضي بأي تحرك فعلي على الأرض، فلماذا المتاجرة بدماء وحياة الفلسطينيين؟! ألا يكفيهم ما يعانونه من ظلم وتشريد وقتل وحصار وحروب وحرمان من أبسط الحقوق الإنسانية داخل فلسطين وخارجها؟!


هل مازال هناك أي ساذج في العالم يعتقد بأن الفلسطيني يكترث أو يولي أدنى اهتمام بما يتم مداولته في الغرف السياسية المغلقة أو ما يتم التصريح به من خلال المنابر الإعلامية؟! فما همه إن اعترف العالم أجمع ولو حتى لفظيا فقط -وهو ما لم يتم الوصول إليه حتى- بحقوقه وما وقع عليه من ظلم، إن كان ينتظر في صباح كل يوم المزيد من التشريد وسلب الحقوق والقتل والأسر والبطالة والجوع والتضييق ومختلف أشكال المعاناة التي قرر العالم أن يجعلها قدره ومصيره حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا.

يرى البعض أننا وفقا للمعطيات التي لدينا لا نملك خيارا إلا أن نسلم للأمر الواقع، وهذا استنتاج قد تتباين الآراء حوله، إن كان يتصف بالسلبية والتشاؤمية، أو أنه يتسم بالعقلانية.

يستوجب التوضيح هنا أنني لا أقول أن النهج التفاوضي أو الدبلوماسي الذي يأخذ من أروقة المؤسسات الدولية والحقوقية مكانا له هو نهج خاطئ من حيث المبدأ، كما أنني أرفض التسليم لفكرة البعض بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة؛ وذلك لأننا بشر ميزنا الله سبحانه وتعالى بنعمة العقل -الذي نغيبه أحيانا- لندبر شؤون حياتنا، كما أن العنف لا يولد إلا العنف. ولكن، ما أراه هو أن حساسية وخطورة القضية الفلسطينية تستوجب أن تصاحب هذه القرارات الدولية والتحركات الدبلوماسية بآليات وإجراءات تنفيذية تضمن تطبيقها والالتزام بها فعليا، وتفرض على الكيان الصهيوني الالتزام بها، سواء أكانت أدوات اقتصادية أو سياسية أو عقوبات دولية.


ولكن وكما نعلم جميعا، أن المجتمع الدولي لطالما وصم بازدواجية المعايير والمحاباة. فنرى أن تحالف الولايات المتحدة الأمريكية والقوى العظمى مع الكيان الصهيوني، منحته الحصانة المطلقة من الالتزام بأية قرارات دولية أو المحاسبة الفعلية على جرائمه. وبالتالي فما تخضع له باقي الدول من عقوبات اقتصادية أو سياسية أو عسكرية في حال مخالفتها للقوانين والتشريعات الدولية، كتلك التي فرضت على النظام العراقي والإيراني في الماضي، لا تطبق على الكيان الصهيوني في أي حال من الأحوال.

قد يرى البعض أننا وفقا للمعطيات السابقة لا نملك خيارا إلا أن نسلم للأمر الواقع، وهذا استنتاج قد تتباين الآراء حوله، إن كان يتصف بالسلبية والتشاؤمية، أو أنه يتسم بالعقلانية. ولكني أرى هنا أن العالم العربي يمتلك أدوات يسعى الغرب إلى تهميشها أو عدم تسليط الضوء عليها. فهي لا تقتصر على ما يمتلكه من ثروات طبيعية أو أهمية جغرافية ودينية وتاريخية فحسب، بل أيضا من موارد بشرية وكفاءات علمية واقتصادية تساهم في بناء الحضارات الغربية. فمن هجرة العقول، إلى الاستثمارات الاقتصادية، إلى الانخراط والاندماج السكاني للجاليات العربية في مختلف المجتمعات الغربية، نجد أن هذه الأدوات هي قوى ضغط هائلة التأثير إذا ما وظفت بالشكل السليم وخضعت للتنسيق والتوجيه في الاتجاه الصحيح.


ولكن، يبقى اكتشاف المعادلة الصحيحة لتسخير هذه الأدوات فيما يصب بمصلحة القضية الفلسطينية وغيرها من القضايا العربية الأخرى محكوما بالإرادة الحقيقية لإحداث التغيير المطلوب.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة