مصعب خلف
مصعب خلف
259

ملاعين عكاظ

21/3/2017

من الصعب على أي متتبع للحالة الاجتماعية الحالية إنكار أن وسائل التواصل الاجتماعي بمحتوياتها المتنوعة جعلتنا نقبع في سوق عكاظٍ كبير، شديد الضوضاء، مليءٍ بالمنابر، وممتدٍ لطيلة أيام العام، لا كعكاظ العربْ -يعقد في أول 20 نهار من ذي القعدة فقط-. يختلط في عكاظنا هذا يا سادة الغث بالثمين، لتصبح مهمة النأي بالنفس عن ترهات البعض ضرباً من الخيالْ.
 

وأيام عكاظنا يا كرام ليست سواء، فالسوق يحظى بين الحين والآخر بلحظات ركودٍ وكساد، تكثُرُ فيها تهنئات الميلاد، ويوميات طلاب الجامعات، ومكايدات النساء، وإعلانات التكاثر، والكثير من كلمة "منوّر"، وتحدّيات الرفاق أيام مُباريات (الكلاسيكو).
 

وبالمجيء إلى (الكلاسيكو)، حريّ بنا أن نعرّج على هذه القصّة الطريفة! حيثُ ذُكِرَ في الأثر أن لاعبَ برشلونة المعروف (ميسي) قد زار عكاظنا ذات مرّة متنكراً متلثماً، وإذْ بشابٍّ بدينٍ كثٍ رثٍ يصيح بأعلى صوته من على منبره: "أصدقائي المدريديين.. ناموا الليلةَ باكراً.. لأننا سنغلبكم!"، تعجّب (ميسي) من ضمير الملكية ولهجة الخطاب، وأرسلَ لصديقتهِ غاضباً بأن هنالك من يتحدّثُ باسمهم، ويجيّرُ انتصاراتهم لصالحه، وأنه سيشتكيهم لمحكمة الكرة الأرضية! ولم تفلح محاولات صديقته في تهدئته إلا حينما نبّهته إلى ضرورة قراءة الجملة المطبوعة على صدره: (الخطوط الجوية القطرية)، فهدأ وقال: "خلص.. معهم حق" وانصرف.
 

يُعزى عدمُ اتزان صاحبِ المنبر من كونهِ قد غابَ عن درسِ (السياق) أيام المدرسة الإعداديّة، فتراهُ يستحضرُ آيات السلم في أوقات الحرب، ومواثيق الإنسانية في حالات وجوب دفع الضرر عن النفس.

إن كنتَ عزيزي القارئ قد ظننت أن صديقنا المشجّع الوفي زيادةً، ورفاقه على اختلاف مهابط أفئدتهم، هم المقصودون في عنوان التدوينة أعلاه "ملاعين عكاظ" فقد جانبت الصواب، فهؤلاء هم فاكهة عكاظ، ووجهه الباحثُ عن بحبوحة بين ضنكِ العيش المتراكم.. سنأتي لملاعيننا بعد قليل.
 

اعتاد أهل عكاظنا عند وقوع أيّ أمر جللٍ في الأرجاء على صعودِ منابرَ ظاهرُها اللونُ الورديّ، وباطِنها من قبل المُتحدّث العفونة والرائحةُ الكريهة. وهذه المنابر تعاني أيضاً من عدم الاتزان لكونِ أحد أقدامها أقصرُ من بقية أقرانه، فيُصابُ كلُ شاهدٍ لحديثها باضطرابٍ في الحواسْ، فهو يرى لوناً محبباً، ويشمُّ رائحةً كريهةً، ويسمع صوت زعيقٍ مستفزٍ خارجٍ بسبب عدم اتزان المنبرِ ومُعْتليه، فيضيع بحضرة الهلوسة.
 

يُعزى عدمُ اتزان صاحبِ المنبر من كونهِ قد غابَ عن درسِ (السياق) أيام المدرسة الإعداديّة، فتراهُ يستحضرُ آيات السلم في أوقات الحرب، ومواثيق الإنسانية في حالات وجوب دفع الضرر عن النفس، ويتغنّى بالحبّ في سياقات المُفاصلة، ويستحبّ التسامح والتعايش في ساعات إحقاق الحق. فيخلطُ الحابل بالنابل، وينصبَ المرفوع، ويجرّ المجزوم إلى مربعات التماهي والضياع.
 

ولمّا كان عكاظنا تجمّعاً لا مفرّ منه، صارَ لزاماً على أهلِ السوق أن يقلبوا باطنَ تلك المنابرِ ظاهراً، وأن يفضحوها للعيان، وأن يهدموا شهوةَ مُعتليها المتمثلة بالبحث عن الشهرة والأضواء بالسباحة عكس التيار الأخلاقيّ، فالأمّة لم تعُدْ تتسعُ لمزيدٍ من الملاعين.
 

المجدُ لمنْ ضحّى بماله ونفسه وسِنِيّن عمره ليقاوم المحتلّ بما استطاع.. المجدُ لمن قال لا حين وجوب قولها.. والعار لملاعين عُكاظ..

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة