نوح فسيفس
نوح فسيفس
152

ما تفرضه المعطيات الجيوسياسية بشأن إيران

22/3/2017
إن من أهم المسلّمات الراهنة في اللعبة السياسية، أنه لا يمكننا أن نصل إلى تقدير واقعي لتوازنات القوى الإقليمية بدون أن نأخذ إيران في الحسبان، لقد أظهر النظام الحاكم في طهران رباطة جأشٍ حاسمةٍ في الصبر على بلاء العزلة الدولية، وواصل الدرب في توظيف دقائق الأمور من أجل تنفيذ أهدافه الاستراتيجية ذات الأولوية العظمى، وعلى رأسها الحفاظ على حق إيران في تأسيس مساحات تأثير جيوسياسية في إطارها الإقليمي، وقد رأينا لهذا النسق العقدي تأثير فاعل في تحديد خيارات الدبلوماسية الإيرانية خلال عملية التفاوض مع الغرب بشأن البرنامج النووي المثير للجدل، إذ لم يكن لدى الإيرانيين رغبة في الولوج في أي عملية تفاوض مع قوى الاستكبار، ما دام أن ذلك لا يحقق لها الحدود المنطقية لشرعية خياراتها على المدى البعيد.

وهذا ما جعل العديد من الجهات الدولية الفاعلة تواجه مشكلة كبيرة في استيعاب سلوك السياسة الخارجية الإيرانية، في حين كانت المشكلة الاستراتيجية لفهم الوضع الراهن هي تقدير العمر الافتراضي للنظام الثيوقراطي في طهران والحالة التي سيؤول إليها في حالة انفتاحه على العالم دبلوماسياً واقتصادياً وسياسياً، والمكانة التي يشغلها البرنامج النووي في النسق العقدي الذي يستخدمه النظام في استراتيجيته للبقاء في السلطة.

إن الفكرة الأكثر لفتاً بالنسبة إلى طهران، هي الإحساس بأن النظام لا يعتبر نفسه هُزم تحت ضغط الحصار الدولي طوال العقود التي أعقبت الثورة نهاية حقبة السبعينيات، والحقيقة أنه لا شيء يمكن أن يجبر الإيرانيين على الخضوع والانصياع لإرادة المجتمع الدولي، في الوقت الذي يستطيع فيه النظام بناء منظومة من المصالح الإستراتيجية وشبكة من العلاقات لتحقيق استراتيجيته المتشعبة فيما يتعارض مع مصالح وأمن الدول الأخرى. ليس هذا فحسب ما يزعج المجتمع الدولي إزاء سياسة إيران في المنطقة، إنما تكمن المعضلة أيضاً في التركيبة الداخلية لبنية النظام الإيراني، والذي لا يسمح لها بالدخول في تفاهمات إقليمية تقود إلى بناء أرضية توافقية مع دول الجوار، ما أدى إلى خلق بيئة يصعب معها صياغة استراتيجية أمنية متسقة تصون الأمن والاستقرار الإقليمي. وعلى النقيض منه، سعى كل طرف للحصول على أفضل وضعية ممكنة في المعادلة الإستراتيجية، وظهر مبدأ "اللا تعاون" كعلامة بارزة في مسار التفاعلات الإقليمية باعتباره وسيلة لتعزيز موقف كل طرف على حساب الأطراف الأخرى، مثلما بادرت إيران إلى استغلال الفراغ الاستراتيجي الذي نشأ بعد سقوط نظام صدام حسين، ومن ذلك أيضا استفادت طهران من التراكمات الواقعية التي أثبتت خطأ الولايات المتحدة الأميركية في احتواء إيران أو المحافظة على توازن القوى الإقليمي.

ويمكن القول إن المعادلة الأمنية الجديدة في الشرق الأوسط سوف تتركز حول إيران، لا سيما بعد وصول الرئيس دونالد ترمب إلى السلطة في واشنطن، والذي جاء محمّلاّ بنبرة تصعيدية لافتة تجاه إيران والاتفاق النووي.
وفي ذات السياق، لعبت العوامل الجيوسياسية دوراً في إحداث تغيير نسبي في قواعد اللعبة، وذلك أن المملكة العربية السعودية ومعها دول الخليج الأصغر حجماً حافظت على تفوقها في تحديث البنية الاقتصادية التي تعزز قدرتها على المبادرة والفعل في الحركة السياسية، في حين أبقت إيران على خطها الثوري منذ عام 1979، ولم يطرأ تغييراً على سياستها في تعميق التناقضات المذهبية في المنطقة، والحال نفسها بالنسبة لاستنزاف ميزانية الدولة في السعي لامتلاك قدرات عسكرية نوعية، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى عبر تأسيس شبكات أمنية ومنظمات إعلامية تخدم الإستراتيجية الإيرانية.

والواقع أن النزعة العسكرية التي تطلقها قيادة إيران في المنطقة لا تنسجم مع النظريات الأكاديمية الخاصة بالعلاقات الدولية أو انتشار التسلّح، والتي تُتخذ فيها القرارات الإستراتيجية ذات الصلة بالسياسة الدفاعية بناءً على التهديدات الخارجية على وجه الحصر تقريباً، ففي تقديرات مؤسسة الحكم الدينية في إيران قلما تكون للاعتبارات السياسية الداخلية تأثيرها الكبير عندما يرتبط الأمر بعامل التسلّح، ويبدو أن هذا الخيار مفيد جداً لممارسة الكثير من الضغوط في المسائل الدبلوماسية الإقليمية، وإذا ما وضعنا بعين الاعتبار تبدّي رغبة طهران في السيادة الإقليمية وبسط الهيمنة على حركة التفاعلات في منطقة الخليج؛ فإن بناء ترسانة عسكرية قوية سوف يكون عامل حسم في تحديد مسار الأحداث في المستقبل المنظور.

من وجهة نظر الطرف الأميركي، يبدو منطقياً أن يتم التصدي للتوجهات الإيرانية المتشددة إزاء المنطقة، حيث يشعر صناع السياسة في واشنطن بأن طهران عازمة على تهديد المصالح الأمريكية حتى في ظل موافقة النظام الإيراني على تمرير الاتفاق النووي كمخرج من الأزمة الاقتصادية التي تعانيها بلاده. إن سياسية النبذ والعزل لم تُثني إيران للتخلي عن النزعة التاريخية، بل عمدت إيران إلى الاستفادة من تلك السياسة في إضفاء الشرعية السياسية لمشروعها في المنطقة، عبر إثبات حضورها في جبهات إقليمية متعددة، كسوريا والعراق واليمن ولبنان، فضلاً عن التحركات الإيرانية المثيرة في مجالات حيوية أخرى كآسيا الوسطى وأفريقيا. ويدخل ضمن هذا الإطار أيضاً نسق العلاقات الإيرانية مع القوى الكبرى الموازية للولايات المتحدة الأمريكية كالصين وروسيا، وما تستطيع أن تنجزه إيران ضمن التخطيط الروسي لعزل حلف شمال الأطلسي ومنعه من توسيع شبكات الدرع الصاروخي في مجال أوراسيا الحيوي.

هل سوف تستوعب إيران قواعد اللعبة الاستراتيجية، فتلجأ إلى تخفيف حدة التوتر مع الإدارة الأميركية من خلال الدخول في تفاهمات استراتيجية وفق صيغ جديدة من التنسيق.
ويمكن القول إن المعادلة الأمنية الجديدة في الشرق الأوسط سوف تتركز حول إيران، لا سيما بعد وصول الرئيس دونالد ترمب إلى السلطة في واشنطن، والذي جاء محمّلاّ بنبرة تصعيدية لافتة تجاه إيران والاتفاق النووي، على النحو الذي يستعيد حركة التموج في العلاقات المحتدمة بين الطرفين لما قبل توقيع الاتفاق النووي. وتكمن الخطورة هنا في إمكانية اندفاع الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها للبدء في عملية عسكرية مفاجئة، أو محاولة إيران التصرف وفق حسابات خاطئة في منطقة الخليج العربي الحيوية والبالغة الحساسية، وقد يؤدي ذلك إلى اندلاع مواجهة عسكرية قد تحتمل عواقب وخيمة نتيجة وجود حسابات غير منطقة، أو التعامل مع الموقف وفق رؤية جزئية دون القدرة على استشراف ردود الفعل بدقة كافية.

وتقوم هذه الحسابات على اعتبار أن طهران لن تراعي الضرورات الأمنية المتعارف عليها في منظومة المصالح الأميركية والخليجية، وبالتالي ستواصل السعي لإزعاج الولايات المتحدة والدول الخليجية في سبيل تحقيق الهيمنة بدلاً من تحقيق الأمن المشترك، وقد تتضمن هذه الحسابات أيضاً تخلي إيران عن الالتزام بالاتفاق النووي الذي وقعت عليه من قَبل كردٍ على تجدد الضغوطات الأميركية في عهد الرئيس ترمب، وستعمد إلى استكمال برنامجها النووي من جديد، في إشارة لرفع سقف التحدي للولايات المتحدة الأميركية والضغط على القوى الدولية الأخرى ذات الصلة بالمسألة النووية لثني الولايات المتحدة عن التصعيد بشأن إيران.

فهل سوف تستوعب إيران قواعد اللعبة الاستراتيجية، فتلجأ إلى تخفيف حدة التوتر مع الإدارة الأميركية من خلال الدخول في تفاهمات استراتيجية وفق صيغ جديدة من التنسيق، وهل سوف يعي المسؤولون في البيت الأبيض الغلطة السياسية التي ارتكبتها أميركا في حربين سابقتين خلال العقدين الماضيين. ولذا فإن ما تفرضه المعطيات الجيوسياسية بشأن مسألة كبح جمام إيران، هو أن تراعي جميع الأطراف حدود السياسة الواقعية في الفعل وردة الفعل بالشكل الذي لا يتجاوز نسق العلاقات الإستراتيجية الدولية.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة