هنادي نصر الله
هنادي نصر الله
551

الغيظ من الصفقة

28/3/2017

يُلاحقهم عارُ إنجازِ صفقة وفاء الأحرار، ويسعونَ للتخلصِ من ملاحقةِ العارِ لهم بإعادةِ اختطافِ المحررين في الضفة المحتلة، العارُ لا يُلاحقُ الاحتلال الإسرائيلي فحسب، بل تلك المتغطرسة الكبرى في العالم "أمريكا" التي تُسمي نفسها بأنها "رمز الديمقراطية"؛ وما مطالبتها للأردن بتسليم الأسيرة المحررة ضمن الصفقة "أحلام التميمي" إلا شاهد إضافي على الغيظ الذي يلفُ العالم المتحضر من المقاومةِ الفلسطينية ورجالاتها؛ فهي الحاضن الأول والأخير لما تبقى للفلسطينيين من آمالٍ في تحرير أراضيهم وكنسِ الاحتلال الإسرائيلي...

 

فالعالم يغضُ بصره عن كل ما يفعله الاحتلال بالأسرى المحررين ضمن الصفقة، بل ويُعطيه الضوء الأخضر للإمعانِ في إهانتهم وتعذيبهم وقهرهم؛ فكلُ الأسرى المبعدين مع زوجاتهم إلى غزة لم يتمكنوا من رؤية ذويهم، ومن تمكنّ لاقى الويلات في إجراءات الوصول المريرة، واضطر إلى خوضِ رحلةٍ طويلةٍ شاقةٍ مريرةٍ تنقلّ فيها من مدن الضفة إلى الأردن ثم إلى معبر رفح، وكان بالإمكان أن يختصر الطريق والوقت والجهد بالمجيء عبر معبر بيت حانون ـ إيرز ـ شمال القطاع إلا أن الاحتلال الإسرائيلي يحولُ دون ذلك..

 

وإن تمكنّ بعضهم من الالتقاء بذويهم في زياراتٍ حصريةٍ عبر الأردن؛ فإن آخرين لم يحالفهم الحظ حتى في طرق هذا الباب؛ فكلمة "ممنوع" كانتْ تهدمُ كل محاولاتهم باللقاء، وما الشهيد مازن فقهاء وزوجته إلا نموذج بسيط لمعاناةِ العشرات منهم..

 

كان مازن يتباهى بأنه حر طليق، فإبعاده وضعَ حدًا لأجهزةِ السلطة الأمنية التي كانت تُلاحقه، كما سلبَ الاحتلال نكهةَ التشفي منه بإعادة اعتقاله أسوةً بزملائه المحررين الذين عادوا إلى مسقط رأسهم في مدن الضفة ولم يُبعدوا مثله إلى غزة

هي حرية منقوصة، ومع ذلك رحبّ بها الأسرى المحررون المبعدون إلى غزة أو خارجها، فأن ينعموا برؤيةِ الكونِ وإن كان من حولهم مكبلاً بأغلال الحصار والإغلاق أهونّ على إنسانيتهم من أن يمكثوا دهرهم كله في السجن، فغزة تبقى العنوان الأول لكرامتهم وإنسانيتهم، يكفي أنها تُساندهم وتُعطيهم الغطاء الكامل لمواصلةِ إنجازاتهم ضد الاحتلال الإسرائيلي وأعوانه، في ظل قناعةٍ تسربتْ إليهم بأن الأمنَ الذي يحظونّ به فيها لا يتوفر ولو بالحدِ القليل في أيِ بقعةٍ أخرى من العالم، فهم في بيئةٍ آمنة ولن تطالهم يدُ الاحتلال بسهولة، حتى وإن شنّ حروبًا ضد القطاع؛ فسيكونون في أماكن آمنة، بعيدة عن عيونِ عملائه..

 

هكذا اخترقتْ تلك القناعاتُ عقول المحررين المبعدين ومنهم مازن، فكان يجولُ بحريةٍ في القطاع، يُمرغُ أنفَ الاحتلال بإشرافه على المقاومةِ في الضفة المحتلة، يُعطي رجالاتها التعليمات وهو في قمةِ هدوئه وأمنه، فليس هناك ما يُخيفه أو يُعكر صفو أعماله، كما أنه محاطًا بأناسٍ يُشجعونه، على خلاف لو كان في الضفة المحتلة سيضطرُ إلى أخذ تدابير أمنية بالغة التعقيد ولا غرابة في أن تستدعيه مخابرات أمن السلطة الفلسطينية هناك، لتحذره من أفعاله؛ بل لتعتقله في سجونها ثم تُفرج عنه لتُسلمه للاحتلال، في تبادلٍ واضحٍ للمهمات الرامية إلى كبح جماح المقاومةِ وشرفائها هناك..

 

كان مازن يتباهى بأنه حر طليق، فإبعاده وضعَ حدًا لأجهزةِ السلطة الأمنية التي كانت تُلاحقه، كما سلبَ الاحتلال نكهةَ التشفي منه بإعادة اعتقاله أسوةً بزملائه المحررين الذين عادوا إلى مسقط رأسهم في مدن الضفة ولم يُبعدوا مثله إلى غزة، كلُ ذلك خلقّ حالة من الغيظ في نفوسِ أعداء المقاومة وحكومة نتنياهو على وجه التحديد، الغيظ اشتدّ مع صعود أسهم يحي السنوار الذي تحررّ هو الآخر ضمن صفقة وفاء الأحرار؛ فأن يحتل الرقم الأول ضمن انتخاباتِ حركة حماس الأخيرة، ويصعد إلى سدة الحكم وقد كان من قبل ـ ذليلا ـ حسب اعتقاد الاحتلال في السجن أمرٌ يصعبُ على نفوسِ المتغطرسين من المحتلين قبوله..!

 

حفل التأبين الذي جرى في غزة وتحدثّ فيه يحي السنوار بصورةٍ اختصرتْ كل الكلمات حين رفعَ "محمد" نجل الشهيد مازن على أكتافه، بينما كلمات خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس التي قال فيها "وقبلنا التحدي" تعكسُ أن الردَ قادم

لن تقوى شوكة حماس والمقاومة، ولا لإطلاق سراح المحررين من الذين يشكلون خطورةً أمنيةً بالغة على أمن الاحتلال الإسرائيلي، يجبُ إعادة قص أجنحةِ رموز من يُسميهم ـ بالإرهابيين ـ ومن هنا أعادَ تحديث القائمة لتعود من جديد أسماءهم ضمن قائمة المطلوبين الأوائل؛ فالسنوار وفقهاء وآخرون في الخارج لا يجبُ أن يكونوا أحرارًا؛ وفي ظل صعوبةِ إعادتهم إلى سجونهم كان يجب أن يُفكرَ في الاغتيال الهادئ وله في ذلك باعه الطويل في عواصم عربية وأخرى أوروبية، معركةٌ بدأها بفقهاء ليُربك حسابات المحررين على أعتابِ التلويح بصفقةِ وفاءِ أحرارٍ جديدة، تفرضُ فيها المقاومةُ شروطها في ظل استحالةِ وصول الاحتلال بكل استخباراته العسكرية والأمنية التي تُساعده فيها الدول العظمى في العالم إلى أيِ خيطٍ يُدللُ على مكان احتفاظ المقاومةِ بجنوده الذين اعتقلتهم في عدوان صيف عام ألفين وأربعة عشرة..

 

الإرباكُ الذي سعى إليه الاحتلال بتشويهِ ملامح ومعالم الأمن في غزة، سُرعان ما ذابَ في الهواء وأصبح هشيمًا تذروه الرياح مع حالةِ التعاضد الشعبي غير المسبوق مع المقاومةِ وشهيدها المحرر المبعد مازن فقهاء، وهو ما عززه حفل التأبين الذي جرى في غزة وتحدثّ فيه يحي السنوار بصورةٍ اختصرتْ كل الكلمات حين رفعَ "محمد" نجل الشهيد مازن على أكتافه، بينما كلمات خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس التي قال فيها "وقبلنا التحدي" تعكسُ أن الردَ قادم ومن شأنه أن يقلبَ الطاولة على الاحتلال ويجعله يندم على فعلته رغم المكاسب التي جناها بالتخلص من أحد أهم المطلوبين لديه..

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة