حكومة الشارع الصينية

30/3/2017

يتحدث الكل هنا عن تقدم الصين وعن كونها ثاني أقوى اقتصاد في العالم وعن الدور الكبير الذي لعبته الحكومات الشيوعية المتعاقبة في الرفع من مستوى المعيشة والدفع بقطار التنمية نحو المقدمة، لكني اخترتُ أن أركز على حكومة موازية كان لها حسب اعتقادي الدور الأبرز فيما وصلت إليه الصين من تطور واستقرار.

 

أفضل تسميتها بحكومة الشارع وأعني بها المواطنين العاديين الذين تشبعوا على مر السنين بقيم ومبادئ لو طُبق في بلداننا ربعها لتغير حالها نحو الأفضل، محرك حكومة الشارع الصينية هو الضمير فالكل يعمل به ويحرص على حضوره في أي نشاط سواء كان إزالة قشرة موز من على الشارع إلى الإبلاغ عن عملة مزورة.

 

الصينيون هم من ينظمون أمورهم والزائر لبكين سيكتشف بسهولة ومن بوابة الدخول في المطار حجم النظام والمسؤولية والتفاني الذي يتعامل به الصينيون معك مواطنا كنتَ أم أجنبيا من رجال الشرطة وحتى عمال النظافة الذين يمسحون الأرضية بسعادة دون كلل أو ملل. ولا يحتاج المواطنون هنا إلى "أمن الطرق" ليلتزموا بقوانين السير فالكل يتقيد بها وبانتظام حتى أن رجال شرطة المرور يكتفون بالدردشة مع بعضهم على جانبي الطريق فالمخالفات تكاد تكون معدومة ورغم الحشود الهائلة في الشوارع وعدد السيارات الكبير إلا أنك لن تلاحظ وجود أي إشكال مروري أو زحمة أو فوضى فلكل طريقه، الراجلون لهم طريقهم والركبان لهم طريقهم والمرور يسير بسلاسة وهدوء.

 

متعاونون للغاية مع الأمن عند الاشتباه في أي شخص ولا يترددون في التبليغ عن أي حادث، مما قلّص نسبة الجرائم في العاصمة إلى أرقام قياسية مقارنة مع العواصم الآسيوية الأخرى.

وفيما يخص تنظيم المؤتمرات، لاحظتُ حرص الصحفيين الصينيين -إلى جانب احترامهم للطابور- على تسهيل عمل رجال الأمن عند التفتيش فتجدهم يخرجون متعلقاتهم المعدنية ويفتحون حقائبهم ويخلعون ستراتهم الثقيلة قبل أن يحين دورهم كما أنهم يسألون عن أي كرسي شاغر قبل الجلوس عليه. ومع دخول المسؤولين للمؤتمر الصحفي تتعالى صيحات المصورين الصحفيين الصينيين مطالبين إياهم برفع أيديهم تارة والابتسام تارة أخرى وينفذ المسؤولون هذه الطلبات بحماس وضحك هستيري لأنهم يعلمون أن المصورين حريصون على التقاط صور مناسبة ومحترمة لهم.

 

أما فيما يتعلق بالمولات والمحلات التجارية، سيثير إعجابك شكل المحال وهندام البائعين وطريقتهم المؤدبة في لفت انتباهك نحو بضاعتهم، كلهم شباب تقريبا ويتحدثون الإنجليزية ويمتنعون عن التحدث معك خارج محلهم احتراما لقانون السوق الذي يمنع عليهم ذلك. كل ما سبق جعل بكّين من أكثر العواصم أمنا ويمكن التجول بها ليلا دون خوف، كما أن السكان ودودين جدا ويبتسمون في وجهك دائما، يقدسون الضيوف "الأجانب" ويحرصون على كرم ضيافتهم، ومتعاونون للغاية مع الأمن عند الاشتباه في أي شخص ولا يترددون في التبليغ عن أي حادث، مما قلّص نسبة الجرائم في العاصمة إلى أرقام قياسية مقارنة مع العواصم الآسيوية الأخرى.

 

قبل أيام ذهب صديقي لشراء بعض الدولارات من البنك وبعد ساعات اتصلت به موظفة البنك وأخبرته أنه حدث خطأ في الحساب وعليه يجب أن تسلمه ثلاث سنتات وهي شيء لا يذكر فأخبرها أن تحتفظ بالسنتات أو تتبرع بها ولا داعي أن تقطع كل تلك المسافة من أجل تسليمها له لكنها ضحكت وقالت إنها يجب أن تسلمها له ولو كان في آخر الدنيا وفعلا وصلت لإقامته وسلمتها له مضيفة أن التساهل في سنتات قليلة قد يقود الشخص مع الزمن إلى التساهل في مبالغ أكبر.

 

أمر آخر لفت انتباهي وهو كثرة نقاط التفتيش الالكترونية والمنتشرة أمام بوابات الجامعات والمراكز الإعلامية والإدارات الحكومية وأمام باب الجامع الكبير في قلب بكين وكان الجميع ورغم الطوابير الطويلة مستمتعين ومرتاحين لاحترامهم للنظام عكسي طبعا حيث كنتُ مجبرا على الالتزام به.

 

ألم يحن الوقت للخروج من الفقاعة التي نعيش فيها والاستيقاظ من حلم المؤامرة الكونية التي نتعرض لها والكون لم يسمع بنا أصلا ولا يعرف إن كنا على الخريطة.

إذن حكومة الشارع التي يتخطى عدد أفرادها المليار و 400 مليون نسمة هي المحرك الأول للتنمية في الصين و يلعب عناصرها الموزعين على الشوارع والمصانع والشركات والنقل والنظافة والأمن والإعلام دورا أساسيا في بناء الصين الحديثة حيث يعمل كل فرد من مكانه على خدمة بلده وبقدراته المتاحة فيسهم بذلك في تعبيد الطريق نحو تحقيق "الحلم الصيني" الذي وضع أسسه الرئيس الحالي "شيجين بينغ" والذي يقوم على وضع الثقة الكاملة في أفراد الشعب مع تغذية الشعور القومي والتحفيز المستمر على الإبداع، ويعد من الأسباب التي قوت طموح الشعب الصيني الذي تخطى مرحلة توفير وسائل العيش إلى مرحلة ريادة الأعمال.

 

بالعودة إلى بلدي الحبيب موريتانيا، ألم يحن الوقت لتفعيل دور حكومة الشارع والعمل من خلالها على رسم صورة مشرقة للبلد الذي يعاني أزمة نظافة ومرور وصحة إلى آخر القوس، ما الذي ينقصنا كشعب حتى نستقيم وننهض؟ هل هي التركيبة الجينية؟ أم التراكمات الثقافية والعرقية؟ ألا نحتاج إلى التوقف للحظة والاعتراف بنقصنا وجهلنا وتخلفنا كما فعلت الصين قبل أن يعلنها شعبها جمهورية؟ وإن كانت الصين بعيدة، أليست جيبوتي وإثيوبيا أقرب؟

 

ما الذي يميز الصينيين عنا، هم عانوا من الفقر والتخلف والاحتلال الياباني وكانوا إلى وقت قريب يطلبون دعم الأفارقة للانضمام إلى الأمم المتحدة؟ متى ندرك أن العبرة ليست بالحزب الواحد أو الفرد الواحد وإنما بالإصرار والعزيمة وقدر كاف من الإخلاص والوطنية وتقديس واحترام القوانين والقيم المجتمعية، ألم يحن الوقت للخروج من الفقاعة التي نعيش فيها والاستيقاظ من حلم المؤامرة الكونية التي نتعرض لها والكون لم يسمع بنا أصلا ولا يعرف إن كنا على الخريطة.

 

ألا نحتاج لتقوية شعورنا القومي وليكن عبر نشيد جديد يحث على العمل ويزرع في النشء حب الوطن والتعلق والنهوض به كما في هذا المقطع من النشيد الوطني الصيني يقول "انهضوا يا من ترفضون أن تكونوا عبيدا، من دمنا.. من لحمنا.. نبني لنا سورا عظيما جديدا" وفي الختام؛ ألا تلاحظون بأن فشل حكومتكم الشعبية يعني بالمحصلة فشل الحكومة الرسمية؟

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة