عباس شريفة
عباس شريفة
708

الدين والسياسة

31/3/2017
من أكثر المواضيع الساخنة التي يشتد فيها النزاع بين العلمانيين والإسلاميين هي جدلية العلاقة بين الدين و السياسية، هل هي علاقة اتصال مطلق؟ أم هي علاقة انفصال مطلق؟ أم هي علاقة نسبية محدودة في توجيه الدين للخطوط السياسية العامة وترسيخ القيم الهادية للوصول إلى مقاصده وغاياته؟ وإذا كانت نسبية فمن يرسم هذه الحدود النسبية؟ هل هو العقل المنفصل عن الوحي أم الوحي المفهوم بالوحي؟ ولأن عالم العلاقات هو عالم معقد وشديد الالتباس والتشابك بين المفاهيم والتصورات، غالباً ما يتم الإجابة على سؤال هل في الإسلام نظام سياسي كامل بأجوبة حدية:

إما بالنفي من قبل الحداثيين لإبعاد الدين عن السياسية مطلقا، ودائما ما يستدعون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله "أنتم أعلم بأمور دنياكم"، وإما بالتأكيد من قبل الإسلاميين الذين يتصورون أن الإسلام دين شمولي، دين ودولة، وإن كل أسئلة العصور حاضرة أجوبتها في ثنايا النصوص بشكل مفصل وهي تبتغي مصادرة السياسة من خلال فهمهم الخاص للدين ومن خلال إلغاء المسافة الناظمة بين الدليل والاستدلال وبين الدين والتدين.

ما كان متغيراً بتغير الزمان والمكان جاء بالشريعة مجملا، كالشأن السياسي مثلا، أما ما كان ثابتا فجاء مفصلاً منتهى التفصيل مثل قضايا الزواج والطلاق ومسائل الميراث والصلاة والزكاة.
وحتى يتضح لنا الجواب، كان لا بد لنا من التميز بين المنظور السياسي والنظام السياسي كمصطلحات فلسفية فكرية لا تنتمي إلى قاموس المصطلحات الشرعية، وهذا يوجب علينا أن نبحث عن مفهومها بين المفكرين السياسيين وليس بين الفقهاء، قبل أن نعطي حكمنا الشرعي فيها حتى لا يقع الخلل بين الحكم والتصور، فغايتنا محاكمة المفاهيم وليس المسميات، فالمنظور السياسي هو مجموعة وشبكة من القيم السياسية الهادية و المقاصد الراشدة والغايات التي تحدد الرؤية السياسية في الإسلام.

بينما النظام السياسي هو مجموعة وشبكة من الوسائل والطرائق والأدوات التي يستعين بها السياسي لتحقيق المقاصد وتعزيز القيم السياسية وبلوغ الغايات السياسية التي جاء بها الإسلام، فالشورى والعدل والأمانة وحاكمية الشريعة، هذه قيم سياسية غير مبلورة بآليات ولا منضوية في مؤسسات، لذلك كانت المأسسة هي مهمة الاجتهاد البشري التي تشكل القناة الناقلة للقيمة من عالم القيم المجردة إلى عالم الواقع التطبيقي الملموس، وهذا ما نقصده بالنظام كمفهوم فلسفي. 

ومن خلال استقراء بنية نصوص التشريع الإسلامي نلحظ أمراً في غاية الأهمية هو: إجمال المتغير وتفصيل الثابت! فما كان متغيراً بتغير الزمان والمكان جاء بالشريعة مجملا، كالشأن السياسي مثلا، أما ما كان ثابتا فجاء مفصلاً منتهى التفصيل مثل قضايا الزواج والطلاق ومسائل الميراث والصلاة والزكاة، فإنها مواضيع منصوص عليها ومفصلة غاية التفصيل و مبينة غاية البيان وهذا من عظمة الشريعة، فحتى تكون مصلحة وصالحة لكل زمان ومكان، وخالدة، لا بد أن تحمل خصائص الاستيعاب والتنظيم للمتغيرات والثوابت، وإلا فقدت صلاحيتها في إدارة الحياة.

وبالنظر إلى نصوص الوحي في القرآن والسنة نجد أن النصوص السياسية فيها قليلة، وكلها تدور حول القيم السياسية كالشورى والعدل وأداء الأمانة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا تتكلم عن وسائل وأدوات تطبيقية تنفيذية. كيف نختار الحاكم، وما هي مدة ولايته؟ ومن يختار الحاكم، وكيف نفصل بين السلطات؟ وكيف نحاسب تصرفاته وكيف ننظم عمل المعارضة السياسية والأمر بالمعروف السياسي والنهي عن المنكر السياسي؟ كل هذه الأسئلة المفصلية في النظام والإدارة بقيت بدون إجابة من الوحي، ليس قصوراً! وإنما لبلوغ الكمال والخلود للشريعة في المرونة التي تعالج كل المستجدات من حاجة العصر وتغيير الزمان والمكان، وتركت لاجتهاد المسلمين بما يناسب عصرهم.

إن مأسسة القيم السياسية التي جاء بها الإسلام هو جهد بشري محض موكول لاجتهاد البشر بحسب ظروف الزمان والمكان، ولا يجوز أن نقدس الوسائل بشكل من الأشكال بسبب قدمها أو بسبب انتماء هذه الوسائل للسلف.
من هنا نخلص إلى قضية وهي: أنه لا يوجد نظام سياسي في الإسلام بالمعنى الفلسفي للنظام، بينما هناك منظور وتصور سياسي وقيم سياسية هادية وضابطة للفعل السياسي الإنساني، وهذه القيم السياسية عندما تتحول إلى نظام مؤسساتي فإنها تتحول إلى نظام سياسي، وهذا ما فعله السلف الصالح فقد اجتهدوا لحاجة عصرهم السياسية وفق ما أداه إليهم معالم القيم السياسية الكبرى التي حفظوها من معلوم دينهم الحنيف.

فمأسسة الشورى تكون بتحويلها إلى مؤسسة انتخابية تقيس أراء الناس وتحدد نسب الفوز والنجاح وصياغة القرار والتوافق على نسب الفوز والخسارة فيها، ومأسسة قيمة العدل يكون بتحويلها إلى نظام قضاء يحفظ الحقوق ويلتزم بالواجبات مدعمة من خلال قوة تنفيذية ومنظومة حقوقية مستمدة من الشريعة التفصيلية، ولكن بسبب ثقل موروث القهر والتغلب والاستبداد، بقيت هذه القيم الكبرى في طورها الجنيني الذي لم يكتب له النمو والاكتمال، واتجه الفقهاء إلى التعامل مع موازنة مصلحة وحدة الأمة مع مصلحة الشرعية السياسية فتنازلوا عن الشرعية السياسية في سبيل الحفاظ على وحدة الأمة واتجهت كتابتهم إلى مواضيع السياسة الشرعية للتعامل مع واقع سياسي غير شرعي دفعاً للمفاسد الكبرى من الفتنة والاقتتال.

ولا بد من أن ننوه أن مأسسة القيم السياسية التي جاء بها الإسلام هو جهد بشري محض موكول لاجتهاد البشر بحسب ظروف الزمان والمكان، ولا يجوز أن نقدس الوسائل بشكل من الأشكال بسبب قدمها أو بسبب انتماء هذه الوسائل للسلف، فلو كان السلف في عصرنا لغيروا الكثير منها تحت ضغط حاجات الواقع، وعدم قدرة هذه الوسائل على تحقيق المقاصد المرادة منها. ولا تلازم أن كل ما فعله المسلمون وابتدعوه من وسائل لعصرهم يصلح لزماننا وعصرنا، أو أنه دين يجب اتباعه وعدم الحيدة عنه بتاتاً، فإن شرعية أي وسيلة وآلية ومؤسسة تكمن في قدرتها على تحقيق المقاصد والغايات التي جاءت الشريعة بها.

طبعا عدم وجود نظام سياسي مفصل في الإسلام ليس انتقاصاً من كمال الدين بل هو من مظاهر كماله وربانيته كما أشرنا وأسلفنا، فمن خصائص الشريعة الجمع بين خاصية المرونة في الوسائل والأدوات والثبات في المقاصد والعقائد والشعائر، وبذلك يضمن لهذه الشريعة الربانية قدرتها على مجاراة مقتضيات كل عصر وزمان ومكان، وتفسح المجال أمام الاجتهاد البشري ليبدع ويجتهد في سد هذا الثغر الشاغر بدلا من أن نقع في مستنقع التخلف بسبب التقليد الأعمى للغرب بدون مراعاة خصائص ثقافتنا وهو يتنا، أو بالجمود على الوسائل التي ابتدعها السلف ولم يتعبدنا الله تعالى بها.

ومن يصر على اعتبار أن الشورى والعدل والأمانة وحاكمية الشريعة تشكل فيما بينها جوهر النظام السياسي في الإسلام، وأن الجزء الآخر المتعلق بالوسائل يتأتى بالاجتهاد فله أن يعتبر ذلك وفق مفهومه للنظام السياسي ويبقى الخلاف معه خلافاً لفظيا لا يفسد للود قضية.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة