عبد الحليم عباس
عبد الحليم عباس
1.8 k

العلمانية بين الفلسفة والسياسة (2)

31/3/2017

(1)
الفلسفة قد تستهدف تغيير الواقع تماما مثل السياسة، ولكن الفرق الأساسي يكمن في الأدوات. فالفلسفة تعتمد العقل كأداة للمعرفة وللنقاش، بينما تعتمد السياسة بشكل أساسي على القوة بأشكالها المختلفة. فإذا كانت الحُجة هي الأمر الحاسم في الفلسفة، فإن الحاسم في السياسة هو القوة- الناعمة أو الخشنة. ولذلك فإن القضايا عندما تطرح على المستوى الفلسفي أو الفكري فهي تطرح من أجل النقاش العقلاني، أي النقاش الذي تكون المرجعية فيه هي العقل والحُجَّة والدليل، وهو يقوم على أساس افتراض مسبق باستقلال العقل كمعرفة وكقضاء عادل يقف على مسافة واحدة من الجميع. فكل نقاش فكري لا يضع هذا الافتراض كأساس، فهو عبارة عن صراع من أجل فرض الرؤية بالقوة، حتى لو لم يتم التصريح بذلك. بينما القضايا التي تطرح في المستوى السياسي يُمكن أن يكون النقاش حولها عقلانيّا، ويُمكن ألا يكون، وهو الغالب.

قضية العلمانية في عالمنا العربي تطرح نفسها على كلا المستويين الفلسفي والسياسي. فهي وإن كانت قضية مرتبطة بالدولة في الأساس أي بالسياسة، إلا أنها أيضا قضية فلسفية-بالطبع لأن الفلسفة لا حدود لها وأن كل شيء يُمكن أن يكون موضوعا لها، بما في ذلك السياسة نفسها- لأننا نريد تأسيس مواقفنا السياسية على أساس معرفي وموضوعي، أو على الأقل ندّعي ذلك في كل الأحوال سواء كُنا مع أو ضد العلمانية أو أي قضية أُخرى..

 
وإذا كان الحوار الفكري والفلسفي يفترض العقل كسلطة محايدة، إذ لا معنى لحوار بلا مرجعية مستقلة عن الأطراف المتحاورة. فإن العلمانية تفترض في الدولة أن تكون بمثابة العقل في، أي سُلطة مستقلة محايدة تقف على مسافة واحدة من جميع المكوِّنات السياسية وغير السياسة. في المقابل يفترض خصوم العلمانية أن حياد واستقلالية الدولة والذي يجعلها في مقام العقل هو الدين، على اعتبار أن الدين يمثّل الإرادة الإلهية المتعالية والمستقلة والعادلة بالتالي. فالدولة التي تحكم على أساس الدين هي دولة محايدة بالضرورة.

القوى الاجتماعية التي تنادي بالعلمانية تعبِّر عن موقف سياسي في النهاية، وكذلك القوى الاجتماعية الدينية أيضا تعبّر عن موقف سياسي.

هُناك دائما خياران أمام هاتين الرؤيتين، إما النقاش والحوار، وفي هذه الحالة يجب أن تكون هُناك أرضية مستقلة يقف عليها الطرفان، هي العقل والحُجة والدليل، كسُلطة محايدة وشرط لأي نقاش فكري عقلاني، أما الخيار الآخر فهو الصراع بالقوة بأشكالها المختلفة.

(2)
في الواقع، وعلى الرغم من وجود بعض القوى التي تضع العقل في المرتبة الثانية بعد النصوص الدينية، إلا أن هُناك اعترافا معتبرا بسلطة العقل في المجتمعات الإسلامية عموما إلى درجة أن أطياف واسعة من المسلمين تؤمن بأن الدين قائم على أساس العقل. أي قائم على أساس مرجعية مستقلة تمنحه المشروعية، هي العقل الإنساني، المحايد وغير المنحاز. سنتجاهل هُنا دلالة كلمة "عقل" كما وردت في الخطابات الدينية والتي تختلف عن الدلالة المعاصرة لذات الكلمة، فالمهم هُنا هو الإقرار بوجود أساس إنساني لمشروعية الدين نفسه. بالطبع هذه ليست رؤية كل المسلمين.

أما بالنسبة للرؤية التي تضع النصوص الدينية قبل العقل، وعلى الرغم من التناقُض الكبير لهذا الادعاء بحد ذاته، إذ هو في نفسه ليس نصا دينيّا وإنما هو رؤية قائمة على استدلال منطقي أي قائمة على "العقل"، إلا أنها تظل في النهاية رؤية غير عقلانية، وبالتالي لا مجال لنقاش عقلاني معها إذا كانت مصرّة على أنها لا تمارس التفكير وتستخدم العقل وإنما تعبّر مباشرة عن "الحقيقة الدينية"، وهذه مشكلة كبيرة، إنها مشكلة عدم الوعي بالتفكير حيث يعتقد الإنسان أنه يمتلك الحقيقة بدون أن يكون قد توصل إليها بشكل من أشكال التفكير القابل للخطأ و الصواب.

القوى الدينية تفضّل مناقشة القضية في المستوى السياسي، وليس الفلسفي والفكري. وذلك عبر تعبئة الجماهير وبشكل عاطفي كعادة الخطاب الديني دائما.

الرؤية الأُخرى والسائدة، والتي تنطلق منها بعض الحركات الدينية السياسية، والتي ترى في العقل أساسا للدين- وبالنسبة لبعض الحركات الدينية السياسية أساسا لرؤيتها هي على الأقل-، يُمكنها نظريّا أن تدخل في نقاش فكري عقلاني حول العلمانية. وهنا يحدث التقاطع بين الفلسفة والسياسة في قضية العلمانية.

بكل تأكيد إن القوى الاجتماعية التي تنادي بالعلمانية تعبِّر عن موقف سياسي في النهاية، وكذلك القوى الاجتماعية الدينية أيضا تعبّر عن موقف سياسي. وعلى المستوى السياسي تكون كل الآراء والمواقف أراءٌ ومواقف سياسية، فلا القوى العلمانيّة تعبِّر بالضرورة عن العقل كمعرفة مستقلة ولا القوى الدينية تعبِّر عن الدين، ناهيك عن تجسيد رؤية وإرادة "الله".  في هذا المستوى، من المفترض أن الصراع السياسي، بالإضافة إلى كونه "صراعا" أي بأدوات ليست بالضرورة عقلانية، فهو صراعٌ سياسيٌ وليس ديني، أي أن المستوى السياسي ليس هو المستوى التي تُحسم فيه القضايا الفلسفية، فضلا عن القضايا الدينية، لأن قضايا الفلسفة يحسمها العقل أو من المفترض أن يحسمها، بينما الدين قضية إيمانية لا يُمكن حتى للعقل أن يحسمها، ولا يفترض به ذلك، ولا ينبغي له.

(3)
بالنسبة للقوى السياسية الدينية، على الرغم من أنها قد تدعي العقلانية، إلا أن قضية العلمانية ليست قضية نقاش فكري يمكن حسمه بالعقل والحجة والدليل، وذلك لأن العقل ليس في صالح هذه القوى، لا بالضرورة لأن العلمانية صحيحة وإنما لأن العقل كأساس للنقاش يجرد تلك القوى من أهم أسلحتها في الصراع، والتي تتمثَّل في النصوص الدينية. إن مجرد إخضاع العلمانية للنقاش العقلاني في المجتمعات العربية يعتبر مكسبا لصالحها.. ولذلك فإن القوى الدينية تفضّل مناقشة القضية في المستوى السياسي، وليس الفلسفي والفكري. وذلك عبر تعبئة الجماهير وبشكل عاطفي كعادة الخطاب الديني دائما.

كلمات مفتاحية: علمانية، سياسة، تفكير، عقل، قضية

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

سَلامًا أيُّها الوَطَنُ الذّبيحُ

مُهداة إلى الّذين يحاولون أنْ يتنفّسوا الحريّة في طوفانٍ من الدّماء وَيا بَرَدى (دِمَشْقُ) تَهُونُ؟! كَلاّ أَعَنْ وَجْهِي - لِغُرْبَتِها - تُشِيحُ حَوارِيْها الحَوَارِيُّونَ فِيها تُعانِي ما يُعانِيهِ المَسِيحُ غَدًا سَتَقُومُ لا عَجْزًا تراخَتْ

969
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة