عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة
2 k

الحي الخطير!

6/3/2017
ألقي القبض على مراد بعد إصابته في مطاردة مع رجال الشرطة وهو في طريقه إلى منطقة عكراش، فيما قتل صديقه عبد الرحمن برصاصة في الصدر، ولقي رشيد حتفه على يد أفراد عصابة الشعبة، فكان السجن وبعده الزنزانة الانفرادية فرصة لمراد ليجمع بين يديه خيوط القصة الكاملة..
 

قصة الحي الخطير
رواية "الحي الخطير" لصاحبها الشاعر والقاص والروائي المغربي محمد بنميلود، صدرت عام 2017 عن دار الساقي اللبنانية، بالتعاون مع مشروع آفاق وإشراف الروائي اللبناني جبور الدويهي، وكانت حاضرة بشكل ملفت في المعرض الدولي للنشر والكتاب بالدار البيضاء، مع غياب صاحبها عن الأنظار!

عوالم متشعبة ومعقدة، وتناسل حكايات لا يخفى على القارئ، بداية بحديث مراد عن نفسه، ظروف عيشه في الحي الصفيحي الهامشي في العاصمة الرباط، مرورا بمحيطه، أمه وخاله الذي اختفى بعد تركه كرتونة مليئة بالكتب، ثم علاقته مع صديقيه عبد الرحمن ورشيد، وتكوينهم لعصابة بدأت بالسرقة بالإكراه، لتتحول فيما بعد إلى مستويات أخرى من الإجرام والمتاجرة بالمخدرات، الصراعات المستمرة مع عصابة الشعبة وحروب القتل والقتل المضاد، الصراعات المتجاوزة لكل الخطوط الحمراء، من ضرب وجرح وإعاقة وحرق واغتصاب وقتل.

ينتقل السرد فيما بعد إلى باقي سكان الحي الخطير، عبر تصوير مجموعة من النماذج الإنسانية -بل سأكون أكثر دقة وأقول بصريح العبارة: الحثالة- التي تتشارك جميعها في البؤس والفقر والإجرام والعيش الدائم على هامش العاصمة، والبلاد، والكرة الأرضية، ومجرة درب التبانة، والحياة!

لغة العمل "في رواية الحي الخطير" متناغمة بشكل تام مع الأحداث، وهو ما يعرف بتجانس اللغة والمضمون، الشاعرية مستحيلة هنا ما دمنا نتحدث عن "حي خطير" لا يعترف بالحس المرهف أو تحليق الفراشات.

با عبد المجيد الصياد العجوز الذي فقد زوجته وأولاده في حادثة غرق، فتزوج بسليمة رغم ماضيها الأسود في أكواخ الدعارة وحملها المتقدم، مكتفيا بسلال سمك البوري كصداق دفعه لصاحبة الكوخ!

 العربي الفرناطشي الأعور الذي يشتغل في فرن صحراوة، ولا يعلم أحد عن تفاصيل حياته شيئا، ترافقه الكلبة لايكة، لنصدم فيما بعد بارتكابه لعدد هائل من الجرائم الرهيبة والمروعة، ما يكشف عن نفسية لا يمكن إلا أن تكون مضطربة!

موحا صاحب الفران، الذي يجمع تناقضات المتاجرة في المخدرات، وتكوين الأبناء لعصابة صحراوة الخطيرة، والمحافظة على الجلباب الأبيض والمواظبة على الصلاة في المسجد!

المقدم لعروسي، ابن الحي وعون السلطات الوفي، الذي يتشمم الأخبار بأنفه ويحفظ كل التواريخ والأسماء والأماكن بدقة حاسوب عملاق، والويل لمن تجاهل كلامه وأوامره، دون الحديث عن عائلته التي يشكل أفرادها عصابة قادرة على الفتك بكل من يعارضها أيضا!

والكثير من الشخصيات الأخرى المترابطة والمتداخلة فيما بينها برباط عجيب اسمه: الحي الخطير..
عكراش، الواد، ميساوة، جبل الرايسي، دوار الدوم، الولجة، القنطرة، سهب القايد، رغم كل الخطورة الطافحة هنا وهناك، إلا أنني شعرت بالألفة وربما الاستمتاع وأنا أقرأ عن هذه الأماكن، هل لأنني أعرف بعضها أو معظمها؟ لا أدري..

أعتقد بأن القراء بعد مطالعتهم للحي الخطير سينقسمون إلى فئتين:
الأولى: ستعتبر بأن الحكاية انتهت في الأربعين أو الخمسين صفحة الأولى بعد مصرع عبد الرحمن ورشيد، وإلقاء القبض على مراد، وأن ما تبقى مجرد سرد طويل وحشو لا فائدة منه.
 الثانية: ستعتبر بأن الرواية كانت فوضوية في البناء، كما هو الشأن بالنسبة للأحداث والمكان "الحي"، لكنها فوضى مقصودة وتم الاشتغال عليها بعناية شديدة.


الرواية لا تعتمد على الخط التقليدي والمستقيم للسرد، بل تنحو منحى الدائرة السردية، والدائرة هنا، تبدأ بالسجن وتنتهي فيه، وما بينهما يسير في خط زمني يتناول ما قبل ولادة الثلاثي مراد ورشيد وعبد الرحمن وينتهي بوصولهم إلى سن الشباب! أضف إلى ذلك أن أحدا لم يقل بأن مراد هو البطل الرئيسي للعمل، هو مجرد سارد، وللرواية بطل رئيسي أوحد، هو الحي نفسه!
 

بالانتقال إلى اللغة، كانت لغة العمل متناغمة بشكل تام مع الأحداث، فلكل رواية لغتها المناسبة لها، وهو ما يعرف بتجانس اللغة والمضمون، الشاعرية مستحيلة هنا ما دمنا نتحدث عن "حي خطير" لا يعترف بالحس المرهف أو تحليق الفراشات وتفتح الأزهار والرومانسية الخيالية، حي لا مكان فيه سوى للسواطير والسكر الطافح والكلام النابي الذي أجد -من وجهة نظري- بأنه قد وظف في محله ولم يكن أبدا بغرض الإثارة أو لفت الانتباه، وقد حاولت تخيل مجموعة من المشاهد المعينة في العمل بلغة أخرى أكثر شاعرية فوجدت بأن توظيف اللغة الشاعرية هنا سيكون "تهريجا" لا "اشتغالا"!
 

باختصار"الحي الخطير" هي رواية الهامش، الحثالة، المنبوذين، المنسيين، الساقطين من حسابات الجميع، بمن فيهم "طبقة المثقفين"، لكن الكاتب انتصر لهم، وأبرزهم في أوضح صورة.

من بين الضربات الموفقة للرواية المليئة بالرموز والدلالات، مشهد النهاية الذي يتناول ثيمة الهروب من السجن، كان ذلك إسقاطا واضحا في نظري، يتجاوز معنى الهرب الظاهري من السجن، إلى انتظار الجميع فرصة مناسبة للهروب من الحي، والمدينة، والبلاد، وربما الحياة كلها!
 

إنها باختصار رواية الهامش، الحثالة، المنبوذين، المنسيين، الساقطين من حسابات الجميع، بمن فيهم "طبقة المثقفين"، لكن الكاتب انتصر لهم، وأبرزهم في أوضح صورة، صحيح أنها صورة ملطخة بالدماء والوحل والقذارة، وتفوح منها روائح الخمور والحشيش والسجائر، لكن ذلك التناغم العجيب هو الذي صنع تفردها، لا العكس..
 

نصيحة للقارئ الذي ينوي الدخول إلى عوالم الحي الخطير، كن حذرا، وتسلح بساطور وأنت تقرأ، فلا أحد يدري ما الذي يمكن أن يحدث وأنت تتصفح الرواية، طعنة سكين هنا، أو حرق هناك، ومن يدري، قد يدفعهم الهياج بعد معرفة ماضي أصولهم الأسود إلى الانتقام منك وقتلك وإن لم تكن لك أية علاقة بالأمر!
 

رسالة أخيرة لا بد من توجيهها إلى بعض المكتبات، التي استغلت الطلب الكبير على الرواية فرفعت من ثمنها، من 70 درهما إلى ما يقارب ال 90 وربما ما يفوق ال 100 درهم غدا، لا تبالغي في الرفع من ثمن الكتاب، وإلا عاقبك مراد ورشيد وعبد الرحمن ومعهم العربي الفرناطشي وعصابات صحراوة والشعبة بما قد لا يخطر على بالك!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة