عصام القيسي
عصام القيسي
867

المعرفة خطر على القلب

7/3/2017
كان ذلك في نهاية العام 1985، حين نسي زميلي في الصف من السنة الدراسية الخامسة قصة من قصص الناشئة في درج طاولته فأخذتها معي إلى البيت. على الأرجح كان عنوانها "الأخ الشريد". تحكي قصة تاجر بسيط توفي عن ولدين، أحدهما -وهو الأصغر- كان طائشاً يبدد ماله على أصحابه. وعلى إثر خلاف بينه وبين شقيقه الأكبر بسبب هذا السلوك خرج من البيت ولم يعد. وبعد سنين من البحث عنه والتقصي فقد الأخ الكبير الأمل في عودة أخيه. كان شديد الحزن على فراق أخيه الوحيد. خاصة وأنه ظل عقيماً بلا ولد. في حين أن تجارته قد اتسعت وأصبح من كبار الأثرياء في المدينة. وذات ليلة من ليالي الشتاء، بعد أن تقدم في السن، أسرَّ إلى صديقه برغبته في تبني أحد الأيتام ليكون له بمثابة الولد.

في اليوم التالي ذهب وصديقه إلى ملجأ المدينة وظلا يراقبان الصبيان حتى وقع بصره على أحدهم وأعجب به. اقترب من الصبي وعرض عليه الأمر، فوافق هذا الأخير بشرط أن يصطحب معه شقيقته التي تعيش معه في الملجأ نفسه. وافق التاجر على الشرط وأخذ الاثنين معه إلى منزله الكبير. وهناك ترك الصبيين يلهوان وذهب إلى سريره لأخذ قسط من الراحة، ولما أفاق أخذ يبحث عنهما فلم يجدهما.

كان المنزل واسعا فأخذ يبحث عنهما في الطابق العلوي، وبمجرد أن اقترب سمع صوت نحيبهما، فأسرع الخطى وإذا هما يقفان أمام صورة شقيقه المعلقة على الجدار. ما الذي يبكيكما؟! أجاب الولد: هذه صورة والدي! كان والدي يحدثنا عن أخيه الكبير، وعن محبته له، وكان قد عزم قبل شهور على أن نزوره معا في هذه المدينة، لولا أن السفينة التي كنا على متنها تعرضت للغرق، وتعرض معظم ركابها للهلاك وفيهم أبي، وكنت أنا وشقيقتي فيمن تمكن المسعفون من إنقاذهم، ومن يومها ونحن نعيش في الملجأً.

لا أشعر بالأسف على شيء كالأسف على ذلك المستوى من الشغف الذي كان يرافقني في المطالعة إلى سنتين ماضيتين ولم أعد أجده الآن. إن إحساسي بالمستقبل الذي أنشده، يشبه أحياناً إحساس الأخ الكبير الذي فقد شقيقه في القصة.
بالنسبة لصبي رومانسي مثلي في تلك السن، كانت هذه القصة بمثابة ملحمة إنسانية لا يحتملها وجدانه البسيط فذرف الدموع. وعزم على البحث عن المزيد من هذه الملاحم، في المكتبة الوحيدة التي فتحت حديثا في ضاحيته الصغيرة. لكنه لم يجد بغيته فيها، بل وجد سلاسل قصصية أخرى مثل: المغامرون الخمسة، المغامرون الثلاثة، وغيرها من السلاسل البوليسية المشوقة التي شدته إليها أيضاً فعزم على قراءتها كلها. وخلال السنوات الأربع التالية كان قد تورط في عالم القراءة بشغف، واطلع على سلاسل جديدة للناشئة والشباب، مثل: المكتبة الخضراء، السندباد، بساط الريح، ميكي ماوس، عظماء الإسلام، كليلة ودمنة، الحربين العالميتين، مسرحيات موليير، ألف ليلة وليلة، وغيرها من سير المشاهير وقصص التاريخ وكتب الأدب. قبل أن يتجه إلى مجال القراءة الاحترافية في مجال الفكر واللغة، بعد ذلك.

إن حكاية الكاتب مع القراءة ليست حكاية العناوين والتحولات الفكرية بل حكاية الشغف بها. فلكل كتاب قصة، ولكل قصة وجدان. وحركة القراءة والمطالعة في حياة المثقف تتطور من البسيط إلى المركب، ومن الماتع إلى المفيد. في بداية الأمر نقرأ من أجل المتعة، لا من أجل المعرفة ذاتها. وفي مرحلة تالية نكتشف أننا -إلى جوار المتعة- بحاجة إلى المعرفة التي تنير طريقنا في الحياة، ثم في مرحلة ثالثة نكتشف أن المعرفة قد ورطتنا في الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع الذي ننتمي إليه، وبدافع من هذا الشعور صرنا نبحث عن المعرفة الخالصة، المعرفة التي تخدم مجتمعنا، بدوائره المختلفة.

وعند هذه النقطة نصبح في مواجهة الخطر. خطر فقدان الشغف بالمطالعة. خاصة إذا تعرض القارئ منا لموجة اكتئاب تخلف في نفسه إحساساً بالعدمية، على إثر انكسار أحلامه القومية والوطنية والشخصية. مثل الموجة العاتية التي خلفتها الثورة المضادة لثورات الربيع العربي في أنفس البعض. فقد تركت الثورة المضادة أسئلة قاسية من مثل: ما جدوى المزيد من القراءة في الفكر ومشاريع الخلاص، إذا كان الطريق مسدوداً إلى التغيير، وإذا كان الشرّ يحمي بعضه بعضاً إلى هذا الحد؟! لقد وقفت كل مؤسسات الدنيا تقريباً في وجه محاولتنا المشروعة للخلاص، ومن الواضح أنها ستقف في وجه كل محاولة قادمة من هذا النوع. فما الذي بإمكاننا أن نفعله في المستقبل إذا كانت الأنظمة الفاشية الفاسدة قد أحكمت سيطرتها عليه، وإذا كانت الدول والكتل السياسية الدولية ترغب في بقاء هذه الأنظمة والعصابات على حساب حقوقنا وأحلامنا؟!

أعترف لكم أن شيئا من هذا الإحساس قد زارني من حين لآخر، لولا أن مستوى وعيي بحركة التاريخ يعصمني من الاستسلام له. وبعد العقد الرابع من العمر والعقد الثالث من القراءة لا أشعر بالأسف على شيء كالأسف على ذلك المستوى من الشغف الذي كان يرافقني في المطالعة إلى سنتين ماضيتين ولم أعد أجده الآن.

إن إحساسي بالمستقبل الذي أنشده، يشبه أحياناً إحساس الأخ الكبير الذي فقد شقيقه في القصة الماضية. أقول في نفسي: لعلك لن تراه، ولعل نصيبك من المعرفة سينتهي كما انتهت ثروة ذلك التاجر العقيم. إن جريمة الشعور باليأس هي أخطر الجرائم التي خلفتها الثورة المضادة للربيع العربي في أوساط الشباب. وياله من شعور مرير أن ترى قلة من المترفين ينفقون ثروات شعوبهم لإعاقة شعوب أخرى مرهقة من الحصول على حقها في حياة كريمة. ويا للحياة من تجربة سخيفة إذا لم يكن لها آخرة.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة