أسامة طايع
أسامة طايع
292

مشاورات العثماني وعبث المنهجية الديمقراطية

1/4/2017

يبدو أن الجميع غير راضي على المشهد الذي أفرزته مشاورات العثماني، بعد 5 أشهر من العرقلة السياسية المتبادلة والمبتذلة، بين مختلف الأحزاب السياسية الأكثر التمثيلية في البرلمان.أكيد في هذه الأزمة رابح وخاسر، رغم أن المصلحة العليا والديمقراطية المحلية هي أكبر الخاسرين، لكن يبدو أن حزب العدالة والتنمية يعيش هذه الأيام أصعب الأيام عن تلك الذي عاشها بعد أحداث 16 مايو الإرهابية، بعدما مس الصراع السياسي قواعد الحزب وسلطة الضبط التنظيمية، رغم أنها ما زالت جيدة في قدرة ضبط الجيش الكبير من المنتمين للحزب الساخطين على السهولة التي باع بها العثماني، بيض الحزب بكامله الذي استجمعه في الانتخابات الأخيرة، من خلال سحق حزب المصباح الأحزاب السياسية والدولة ونمط الاقتراع .


لكن شاهدنا جميعا كيف كان لبلاغ الإعفاء وبعده بلاغ التعيين أثر سحري في إفقاد الحزب لسيادة القرار، وفيها رسالة بليغة لقدرة الفاعل السياسي المركزي على السيطرة على زمام الأمور. أكيد الملاحظ لسلوكيات الحزب وقياديه أبان عن تحول كبير على مستوى الخطاب، يمكن اعتبارها محدد لمسار الحزب في المستقبل وعلاقاته بالفضاء السياسي وقواعد اللعبة السياسية، خصوصا إما استمرار الصراع الأيديولوجي، بين صقور الحزب وحمائمه وباقي المحسوبين على النخبة الحزبية التي تم إزاحتها بفعل البلوكاج، لكن الحزب أظهر أنه غير قادر على التحرر من إعفاء بنكيران، وأنتج مقابل ذلك سلوكيات عن وعي أو غير وعي فهم منها أن مرجعية العدالة والتنمية وأنظمته الأساسية أسمى من أي شيء.


سيترحم الجميع على الأسلوب التواصلي لرئيس الحكومة المكلف بتصريف الأعمال الحالي، والذي أبان أثناء تكليفه الحكومي، على قدرة تجاوز القواعد التمثيلية وشد انتباه المواطن من خلال جلسات تقييم السياسات العمومية السنوية أو الجلسات الشهرية، والتي استخدمها كمنصة لتواصل مع المواطن وتمرير الرسائل لما وصفها بالدولة العميقة والتماسيح والعفاريت التي تعرقل الإصلاح المنشود، في محطات من الحياة البرلمانية والتحكم في محطات أخرى وفرصة لجلد التمثيلة البرلمانية الممثلة أمامه.
 

ساهم العديد من قيادات البيجيدي، للتمهيد لقرار الموافقة على انضمام حزب الاتحاد الاشتراكي، من خلال آراء ومقالات تلمح إلى ضرورة القبول وصلت لتشبيهها بصلح الحديبية.

شاهدنا مرارا لدرجة الملل، كمتتبعين كيف حطم بنكيران ممثلي الأمة وأخرس العديد منهم، عبر التلميح بنشر الغسيل أمام الجميع، لكن كان لهذا الاسلوب التواصلي الجيد الذي لا مثيل له بالمغرب الحديث، انعكاس سلبي على سير المؤسسات والمبادئ الدستورية التي جاءت بها وثيقة 2011 الدستورية. شاهدنا كيف تم إفراغ العديد من الوسائل والأليات الدستورية من محتواها أمام فرجة تلفزيه سخيفة إن تم مقارنتها مع ما تم خسارته من مبادئ دستورية أضاعت تلك الفرجة فرصة تنزيلها على أرض.

العثماني من جهته لاحظ الجميع، تغيير عميق في الأسلوب التواصلي الذي تم تدبير من خلاله المشاورات الحكومية، سواء من خلال تعيين الخلفي كناطق مكلف باسمه للتواصل مع الأعلام وضبط المعلومة الصحفية، وتعميمها في نفس الوقت عبر البث المباشر عبر صفحة الحزب ونشر التوثيق السمعي البصري، حتى لا يتسنى للمواطن تتبع المشاورات بعيدا عن الخطوط التحريرية للوسائط الإعلامية التي كانت قد ساهمت في تأجيج الصراع، عبر نقل معطيات مغلوطة أحيانا.


لقد ساهم العديد من قيادات البيجيدي، للتمهيد لقرار الموافقة على انضمام حزب الاتحاد الاشتراكي، من خلال آراء ومقالات تلمح إلى ضرورة القبول وصلت لتشبيهها بصلح الحديبية. المشهد العبثي أكيد وسخيف أضاع على المغرب أشهر من المنجزات التي توقفت على تشكيل الحكومة، وتواصل العبث وازداد بعد مشاورات تشكيل الحكومة، إن استحضرنا مواقف حزبي الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري اذ سبق لهما أن عارضا عدداً من الملفات الحكومية الكبرى في عهد بنكيران. وكان الحزبان ضد عدة إصلاحات طرحتها حكومة بنكيران، شملت ملفات حيوية، مثل صندوق المقاصة، وأيضاً إصلاح أنظمة التقاعد، ما يدفع إلى طرح التساؤل حول كيفية هذان الحزبان مع هذه الملفات الإصلاحية، بعد دخولهما إلى الحكومة.


العبث لا ينتهي هنا بل يستمر، عندما نفهم من قرار العثماني بقبول الاتحاد الاشتراكي داخل اجتماع داخلي بكونه قرار سيادي، يذكرني هذا القرار بمرحلة من تاريخ المغرب عندما عين إدريس لشكر وزيرا مكلفا بالعلاقات مع البرلمان، أعطي لهذا التعيين تأويل يجسد ما مفاده، رغبة لدى "السلطات العليا بالمغرب في إحياء العمل البرلماني وتحسين أداء أعضاء مجلس النواب نظرا للخبرة التي راكمها في المجلس". بهذا القرار قدمت للاتحاديين قبلة الحياة الذهبية، للإبقاء على الحزب قيد الحياة السياسية، بعدما توالت الضربات على الحزب وفقد وهجه والعديد من القلاع التاريخية، لصالح العدالة أو البام، بعدما استفرد كاتبه العام بالقرار الداخلي وطرد وتنكيل الأصوات التي تعارضه داخليا، لا يعلو صوت يساري على صوت العصافير التي تزقزق باسم لشكر قائد الحزب الذي أفقده قواته الشعبية.
 

اعتبرت الصحافة تعيين "لشكر"، الذي كان من "أنشط المطالبين بخروج الاتحاد الاشتراكي من الحكومة، والذي كان يلعب على وتر حساس المتمثل في التقارب مع الإسلاميين، "ضربة معلم"

كانت شهادة وفاة حزب الوردة جاهزة، تنتظر جرة قلم لطي صفحة نضالية شهدها المغرب وإدخال إرث الاتحاد للأرشيف والمتحف الحزبي، مثل العديد من الأحزاب التي لم نعد نسمع عنها شيء اليوم من غير الأطلال، كمطلب إنساني نريح من خلاله إرث الأمس من عفن الحاضر. يكفي استحضار كيف وضع إدريس لشكر الحزب في وضع نشاز، عندما كان من أشد الداعين لخروج الحزب للمعارضة وقبل بمنصب وزير مكلف بالعلاقات بالبرلمان لنفهم المنهجية الديمقراطية التي تسير بها البلاد.


لقد اعتبرت الصحافة آنذاك تعيين "لشكر"، الذي كان من "أنشط المطالبين بخروج الاتحاد الاشتراكي من الحكومة، والذي كان يلعب على وتر حساس المتمثل في التقارب مع الإسلاميين، "ضربة معلم"، حيث تم إسكات الصوت المزعج المتمثل في عبد الواحد الراضي ومحمد اليازغي، وأنهى الغزل الذي كان دائرا بين حزب لشكر وحزب العدالة والتنمية". المغرب يسير بسرعات مختلفة لكن أهم فاعل في هذا التفاعل يبقى خفي يحسب له أنه أعاد تصفير عداد المكتسبات التي قيل أن الحراك الشعبي اكتسبها عبر وثيقة دستورية تشاركية لم تستطع هذه الأخيرة تقديم علاج للعرقلة السياسية التي عرفتها البلاد طيلة الخمس أشهر.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة