شريف محمد جابر
شريف محمد جابر
6.4 k

سيد قطب شهيد الحبّ الإلهي

10/4/2017

لفت نظري خلال دراستي لحياة الحلاج مدى التشابه الكبير بين محطات حياته وبين محطات حياة المفكر سيد قطب، مع الفروق الجذرية بينهما بطبيعة الحال. كان التشابه في الحسّ الصوفي عند الرجلين، فأما الحلاج فمعروف، وأما سيّد قطب فمن يتتبّع سيرته الذاتية سيجده صوفيّا في شعره "الكوني" وفي رؤيته النقدية للأدب، فقد عرّف الأدب بأنّه: "تعبير عن تجربة شعورية بصورة موحية". وهو تعريف يذكّرنا بالشعر الروحي عند المتصوّفين، والذي ينبع بشكل أساسي من "تجربة شعورية" عاشها المتصوّف وأفرزت ذلك الشعر الوجداني.

 

 كانت إحدى محطات التحوّل الفكري لسيد قطب محطة صوفية بامتياز. يقول في تفسير الآية 164 من سورة البقرة عن اللحظة التي سافر فيها إلى أمريكا على ظهر باخرة: "وأشهد ما أحسست ما في هذه اللفتة من عمق، قدر ما أحسست ونقطة صغيرة في خضم المحيط، تحملنا وتجري بنا، والموج المتلاطم والزرقة المطلقة من حولنا، والفلك سابحة متناثرة هنا وهناك. ولا شيء إلا قدرة الله، وإلا رعاية الله، وإلا قانون الكون الذي جعله الله، يحمل تلك النقطة الصغيرة على ثبج الأمواج وخضمها الرهيب".

 

 بل نجده يقول في مقال "موسيقى الوجود" المنشور في مجلة الكتاب عام 1950 عن تلك الومضة الروحية التي أحس بها: "أحسستُ هذه الموسيقى العلوية الشاملة.. موسيقى الوجود. مرة وأنا في عرض المحيط، والباخرة تمرّ مرّ الريح على وجه الخضم، والنسيم رخاء. والليل ساكن والقمر مفضفض اللألاء... لست أدري كيف أحسست، ولست أدري كيف أقول. إلا أنّ قولا واحدا انساب على لساني في تلك اللحظة التي أومضت في روحي كما تومض الشعلة فتكشف لي الطريق إلى بعيد ثم تغيب.. تعبير واحد أحسست فيه بكل ما فاض على خاطري في تلك اللحظة من قدسية وشفافية وتسبيح.. موسيقى الوجود". ألا تذكّرنا هذه النصوص بالسبحات الصوفية المتأملة في الكون؟ بتلك الروح المحلّقة التي تعرف الله وعظمته لا بالعقل فقط بل بالوجدان أيضا؟

 

في نص الطواسين الفلسفي للحلاج ما يثير العجب من تضاد واضح مع أبرز مبادئ الإسلام! بل نجده على طريقة الدجالين والمشعوذين يلجأ إلى حروف الكلمات ليصنع منها رموزًا لما يعتقده، وليؤوّل الأشياء بخلاف المعروف في كتاب الله!

كان الحلاج في إيمانه بالله - كما زعم - وجدانيا معاديا لطرائق العقل والفلسفة. كان الطريق إلى الله في حسّه هو اتحاد العنصر الإلهي (اللاهوت) بالعنصر البشري (الناسوت)، وهذا عنده هو الدليل الحيّ على وجود الله! أما سيد قطب، فقد كتب يوما عن "المنطق الوجداني والعقيدة" في مجلة الرسالة قائلا: "فلندع الذهن يدبّر أمر الحياة اليومية الواقعة، أو يتناول من المسائل ما هو بسبب من هذه الحياة. فأما العقيدة، فهي في برجها العالي هناك، لا يرقى إليه إلا من يسلك سبيل البداهة، ويهتدي بهدى البصيرة، ويفتح حسّه وقلبه لتلقّي الأصداء والأضواء".

 

 كان الحلاج يرى أنّ هناك عنصرا إلهيا في الإنسان، سماه "الروح الناطقة"، وكان كيانا غير مخلوق عنده. أما سيد قطب، فقد كان يقول إنّ كل إنسان يحوي بداخله الإيمان بالله، فثمة عنصر وضعه الله في كل نفس، وهو الفطرة المؤمنة بالله، والمطلوب هو استنقاذ الفطرة من تحت الركام. أدينَ كلا الرجلين من قبل السلطة. كلاهما سُجن نحو تسع سنوات ثم أعدم. يقول أنصار الحلاج إنّه شهيد الحبّ الإلهي، ويقول آخرون إنّ إعدامه لم يكن لغلوّه في آرائه أو كفره، بل لأسباب سياسية، إذ كان في حقيقته شيعيا أو متعاونا مع القرامطة، أعداء الدولة العباسية، ومن ثم كان إعدامه بمثابة إعدام أحد الرموز المحرّضة على السلطة. أما سيد قطب، فقد قيل عنه أشياء شبيهة؛ فقيل إنّه كان شهيد رأي وكان مدافعا عن الدين.. وقيل إنّه كان يهدف إلى قلب نظام الحكم. وإنّ من يقرأ رسائل سيد قطب من أمريكا، والتي جُمعت لاحقا تحت عنوان "أفراح الروح"، لا يمكنه أن يغفل تلك المسحة الصوفية والحسّ الوجداني العميق الذي تمتّع به الرجل.

 

بعد هذه المقارنة نتساءل: من هو الأجدر بلقب "شهيد الحبّ الإلهي"؟

بعيدا عن موافقتنا أو مخالفتنا لفكر الرجلين، فإنّ ما تهدف إليه هذه التدوينة هو الحديث عن التجربة الوجدانية لهما لا مناقشة أفكارهما بعمق. فأي التجربتين كانت أقرب لوصف "الحبّ الإلهي"؟

 

 لقد ترك الحلاج لنا نصّه الفلسفي "الطواسين"، مبدّدا به كل ظنّ عن حبّ إلهي مزعوم! فقد كان الطواسين في حقيقته اشتغالا فلسفيا لا يخفى فيه عمل العقل، والذي يصعب أن نصدّق بأنّه تجربة روحية مع الله! بل تجاوز الحلاج ذلك وقال في الطواسين: "فصاحباي وأستاذاي إبليس وفرعون، وإبليس هُدّد بالنار وما رجع عن دعواه، وفرعون أُغرق في اليم وما رجع عن دعواه ولم يقرّ بالواسطة البتّة. ولكن قال: "آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنتْ به بنو إسرائيل". ألم تر أنّ الله قد عارض جبريل بشأنه، وقال: لماذا ملأت فمه رملا"! انتهى. وفي الطواسين ما يثير العجب من تضاد واضح مع أبرز مبادئ الإسلام! بل نجده على طريقة الدجالين والمشعوذين يلجأ إلى حروف الكلمات ليصنع منها رموزًا لما يعتقده، وليؤوّل الأشياء بخلاف المعروف في كتاب الله!

 

فأين تلك الطلسمات الفلسفية من حبّ مزعوم لله ووصولٍ مُدّعًى إليه؟!

إذا كان حبّ الله لعبد من عبيده أمرا فوق التعبير أن يصفه، فإنّ حبّ العبد لربه أمر قلّما استطاعت العبارة أن تصوره إلا في فلتات قليلة من كلام المحبين

إنّنا حين ننتقل إلى سيّد قطب، سنجده في آخر نصوصه التي كتبها غارقًا في حبّ إلهي. وسواء اتّفقنا مع أفكاره كلها أم لم نتفق، فلا يمكننا إلا أن نقرّ بتلك العلاقة العميقة التي ربطته بكلام الله وبقضية التوحيد التي كانت أكثر ما كتب عنه. كان كتابه "في ظلال القرآن" من أوله إلى آخره تجربة شعورية عاشها الرجل في السجن مع كلام الله، ومن يقرأ مقدمة الظلال "الحياة في ظلال القرآن"، سيدرك عمق تلك التجربة التي عاشها الرجل.

 

 كان الحلاج غنوصيّا حين تحدّث عن اتحاد "اللاهوت" بـ "الناسوت". وكان سيّد قطب قرآنيّا حين كتب فصل "ألوهية وعبودية" في كتاب "مقومات التصور الإسلامي". فصل سيد قطب بين مقام "الألوهية" ومقام "العبودية"، بخلاف ذلك الخلط الغنوصي المعقّد الذي أحدثه الحلاج بين "اللاهوت" و"الناسوت". كان سيد قطب يدرك بأنّ محبّة الله من العبد لا تكون إلا بالاستسلام الكامل لله؛ بالخضوع لشرعه وطاعته، وبموالاته وموالاة أوليائه، وبالتوجّه إليه وحده بشعائر التعبّد. كانت تلك هي المحبّة التي عبّر عنها كتاب الله: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران: 31). وعلّق عليها قطب في ظلاله قائلا: "إنّ حبّ الله ليس دعوى باللسان، ولا هيامًا بالوجدان، إلا أن يصاحبه الاتباع لرسول الله، والسير على هداه، وتحقيق منهجه في الحياة".

 

 لقد نال الحلاج هذا الصخب في بعض الأوساط الثقافية والفنية لا لكونه عند محبّيه شهيدا حقيقيّا للحبّ الإلهي، بل لكونه يجسّد نزعة الانفلات من الدين وتفسيره بالأهواء، بخلاف المقتضى الحقيقي لحبّ الله، ألا تراه يقول في إحدى قصائده:
 

ما لي وللناس كم يلحونني سفها .. ديني لنفسي ودين الناس للنـــاس!
 

لقد مثّل الحلاج عند بعض المثقّفين "موضة ثقافية" أكثر من كونه علامة على الارتباط الحقيقي بالله. ولقد أهمل كبارُ الأئمة المتصوّفين تراثَ الحلاج بل وأدانوه على مدى قرون طويلة، لتعود فتحييه في عصرنا الحفلات الفنية التجارية، وليتحوّل شعره لا لتجربة وجدانية حقيقية مع الله، بل لسلعة موسيقية في عالم يهيم على وجهه بحثا عن الغرائب في الفنون! ولقد باتت القضية الآن أن تأخذَ قصيدة للحلاج لم تغنّى بعد، فتلحّنَها وتغنّيها في أوساط غربية لا تعرف الله.. لتخلّد بذلك ذكرى "شهيد الحبّ الإلهي" المزعوم!

 

إنّ نصاعة التصور الإسلامي في الفصل بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، لا تجفف ذلك الندى الحبيب، بين الله والعبيد، فهي علاقة الرحمة كما أنها علاقة العدل، وهي علاقة الودّ كما أنها علاقة التجريد

ولعلّنا نختم بهذا النصّ لسيد قطب، ليحدّثنا فيه عن حقيقة الحبّ الإلهي كما يراها، في ظلال قوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ}: يقول: "وحبّ العبد لربه نعمة لهذا العبد لا يدركها كذلك إلا من ذاقها.. وإذا كان حب الله لعبد من عبيده أمرا هائلا عظيما، وفضلا غامرا جزيلا، فإنّ إنعام الله على العبد بهدايته لحبه وتعريفه هذا المذاق الجميل الفريد، الذي لا نظير له في مذاقات الحب كلها ولا شبيه.. هو إنعام هائل عظيم.. وفضل غامر جزيل.

 

وإذا كان حبّ الله لعبد من عبيده أمرا فوق التعبير أن يصفه، فإنّ حبّ العبد لربه أمر قلّما استطاعت العبارة أن تصوره إلا في فلتات قليلة من كلام المحبين.. وهذا هو الباب الذي تفوق فيه الواصلون من رجال التصوف الصادقين - وهم قليل من بين ذلك الحشد الذي يلبس مسوح التصوف ويُعرف في سجلهم الطويل - ولا زالت أبيات رابعة العدوية تنقل إلى حسي مذاقها الصادق لهذا الحب الفريد، وهي تقول:
 

فليتك تحلو والحياة مريرة .. وليتك ترضى والأنام غضابُ

وليت الذي بيني وبينك عامرٌ .. وبيني وبين العالمين خرابُ

إذا صحّ منك الودّ فالكلّ هين .. وكلّ الذي فوق التراب ترابُ
 

وهذا الحبّ من الجليل للعبد من العبيد، والحبّ من العبد للمنعم المتفضل، يشيع في هذا الوجود ويسري في هذا الكون العريض، وينطبع في كل حي وفي كل شيء، فإذا هو جوّ وظل يغمران هذا الوجود، ويغمران الوجود الإنساني كله ممثلا في ذلك العبد المحبّ المحبوب.

 

إنّ نصاعة التصور الإسلامي في الفصل بين حقيقة الألوهية وحقيقة العبودية، لا تجفف ذلك الندى الحبيب، بين الله والعبيد، فهي علاقة الرحمة كما أنها علاقة العدل، وهي علاقة الودّ كما أنها علاقة التجريد، وهي علاقة الحبّ كما أنها علاقة التنزيه.. إنه التصور الكامل الشامل لكل حاجات الكينونة البشرية في علاقتها بربّ العالمين.

 

وهنا- في صفة العصبة المؤمنة المختارة لهذا الدين- يردُ ذلك النصّ العجيب: «يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ» ويطلق شحنته كلها في هذا الجوّ، الذي يحتاج إليه القلب المؤمن، وهو يضطلع بهذا العبء الشاق. شاعرا أنه الاختيار والتفضّل والقربى من المنعم الجليل".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة