معتز زاهر
معتز زاهر
1.3 k

مخاوف التعليم المنزلي

12/4/2017

تكلمنا في المقالين السابقين عن فلسفة التعليم المنزلي، وعن المانع الأكبر لخوض الأهالي هذه التجربة، وهو كيفية الحصول على الشهادة. أما في هذا المقال فنتحدث عن بعض الحلول المقترحة لصعوبات أخرى تحول دون خوض تجربة التعليم المنزلي.

 

البيئة:

مخاوف مشروعة بالطبع تتواجد عند الوالدين على الأطفال الذين لم يذهبوا إلى المدرسة، كيف سيكونون اجتماعيين وغير انعزاليين؟ وكيف سيتعودون على التعامل مع الناس والاندماج في المجتمع؟ الحل هو توفير بيئة بديلة للطفل، وتكون أيضًا أفضل من بيئة المدرسة، بيئة يختارها الوالدان بعناية فائقة بدلًا من بيئة المدرسة التي -في الغالب- يتواجد فيها طلاب ذوو خلفية تربوية سيئة.

 

إذا كانت هناك حاجة لتعليم الطفل مادة مختلفة ليس لها كتاب في منهج معين، فمن الممكن التواصل مع المهتمين بالتعليم المنزلي أو المناهج عمومًا لاستشارتهم، كما في مجموعات التعليم المرن على "فيس بوك" أو مع الأسر التي تطبق التعليم المرن

هذه البيئة التي تُشكلها لطفلك من الممكن أن تكون من بين أطفال أصدقاء الأب أو الأم أو من بين الجيران، من بين أعضاء النادي الرياضي أو الدورات التدريبية التي يتلقاها الطفل ضمن إطار التعليم المنزلي... إلخ. وبعد اختيار أصدقاء أطفالنا؛ يتم عمل زيارات دورية أو مواعيد معينة أسبوعية، يقابل فيه أطفالنا الأطفال الآخرين، سواءً في الحدائق والمتنزهات أو في النوادي أو في أي منطقة ألعاب، أو حتى عن طريق الزيارة المنزلية، وغير هذا بحيث يرى الطفل على الأقل ثلاث مرات في الأسبوع أطفالًا مثله ويلعب معهم ويتكلم؛ فلا يكون بذلك انطوائيًّا أو انعزاليًا لا يجيد التعامل مع الآخرين.

 

المناهج:

صعوبة أخرى تواجه المهتمين بالتعليم المرن فتحول بينهم وبين خوضه، وهي مسألة توفير المناهج واختيارها للطفل. وأمر اختيار المناهج ليس معضلة كبيرة، فهو يتم عن طريق استخدام مناهج المدارس الموجودة في بلادنا أو حتى مناهج بلاد أخرى كسنغافورة وإنجلترا، خاصة وبعضها متاح على الإنترنت، مثل المناهج المصرية الموجودة بأكملها في جميع المراحل العمرية، أو غيرها من المناهج مثل المناهج الليبية بالنسبة للمناهج العربية، أو مناهج "أكسفورد" أو سنغافورة أو "كامبريدج"، والتي ليس من الصعب الحصول عليها. وإذا كانت هناك حاجة لتعليم الطفل مادة مختلفة ليس لها كتاب في منهج معين، فمن الممكن التواصل مع المهتمين بالتعليم المنزلي أو المناهج عمومًا لاستشارتهم، كما في مجموعات التعليم المرن على "فيس بوك" أو مع الأسر التي تطبق التعليم المرن، أو غير ذلك من الوسائل كالبحث على "غوغل" وسؤال المدرسين أصحاب الخبرة في المناهج.

 

مَن سيدرّس الطفل؟:

لا أحد يكتفي بالمدرسة في تعليم أبنائه -وهذا دليل آخر على فشل الكثير من المدارس بالمناسبة- فموضوع توفير مدرسين ليس غريبًا علينا ولا صعب المنال، فيقوم الأب والأم أو أحدهما بتدريس الأطفال ما يستطيعونه ويجيدونه، وما لا يستطيعونه يأتون بمدرس خاص يُدرس له المادة وحده أو مع غيره ممن يدرسون في المدارس أو ممن يتعلمون تعليمًا مرنًا، وهذا مفيد أيضًا في جانب توفير أصدقاء مختارين لابنك أو ابنتك. وهذا سيُمكنك من اختيار المدرسين الجيدين كذلك، من حيث المادة ومن حيث السلوك.

 

(بعض أولياء الأمور يرسلون أبناءهم إلى مدارس دولية ويدفعون مبالغ طائلة، ثم بعد ذلك يأتون بمدرسين خصوصيين في كل مادة! وما فائدة المدارس إذن؟! وكيف يدرس الأبناء صباحًا في المدرسة وليلًا مع المدرسين؟ متى يجدون وقتًا للجلوس مع آباءهم؟ متى يمارسون رياضة؟ متى ومتى؟) وأيضًا من طرق التدريس الأساسية التي لا يستغني عنها طلاب التعليم المنزلي؛ التعلم عن بُعد من خلال المنصات التعليمية الموجودة على الإنترنت، والتي يتم فيها تدريس كل المواد تقريبًا.


نفسية الطفل:

تجدون على سبيل المثال؛ ولي أمر يتخوف من أن يتأثر ابنه نفسيًّا لعدم ذهابه للمدرسة مثل أغلب الأطفال. أتذكر مرة كنت أُدرّس في مدرسة دولية وكانت توجد طالبتان أمريكيتان، أدخلُ الفصل يومًا بعد يوم وأجدهما غائبتين، فسألت عنهما فقالت لي صديقتهما إنهما خرجتا من المدرسة والآن تتعلمان تعليمًا منزليًّا، قالت لي صديقتهما ذلك بكل بساطة وإعجاب.

 

إن التعليم المنزلي قد أصبح نظامًا عالميًّا معترفًا به ومعروفًا، حتى إن بعض الجامعات الأوروبية قد خصصت قسمًا للقبول للطلاب المتعلمين منزليًّا، ولذلك ينبغي إفهام الطفل أن هناك نظامًا آخر غير نظام المدرسة، وأن التعليم ليس منحصرًا فقط في المدرسة، بل المدرسة ما هي إلا نظام من أنظمة التعليم، وأن التعليم المنزلي فيه فوائد أكثر وأن المدارس لها عيوب وتأخذ وقتًا طويلًا غير مُجدٍ وهكذا؛ فيتم تفهيمه فلسفة التعليم المنزلي بشكل يناسب سنه ويتم اطلاعه على أن ملايين الأطفال حول العالم يتعلمون منزليًا مثله مع أن جزءًا كبيرًا منهم يعيشون في دول تصنيفها التعليمي متقدم على مستوى العالم.

التعليم المنزلي أو المرن هو منظومة تعليمية وتربوية كاملة، ولا تعني حبسك للطفل في البيت لتدرسه وتربيه بنفس الطرق التقليدية مع ما يصاحب ذلك من الضرب والصراخ والإهانة، أو أن تعزله عن العالم؛ فهذا سجن وليس تعليمًا والمدرسة حينها أفضل بكثير

كيف أضع جدولًا دراسيًّا؟:

هناك صعوبة أخرى تواجه الآباء، وهي الإجابة على سؤال "كيف سأوفر جدولًا دراسيًّا؛ بحيث يكون هناك نظام يؤدي إلى نجاح العملية التعليمية؟" لابد أن تبتكر جدولًا لأبنائك يحقق لهم المتعة مع التعليم، فلا يكون جامدًا، ولا يكون به تهاون وغير محدد. ولابد أن تراعي فيه أن تنوّع مكان التعليم، فاليوم في المنزل، وغدًا في حديقة، وبعده في المكتبة، وبعده في مركز تعليمي حيث يتلقى الطفل دورة ما في أي شيء، وبعده يكون اليوم الرياضي، ثم يومين إجازة، وهكذا على سبيل المثال لا الحصر، فقط ابتكر.

 

وأيضًا لابد تحديد مواعيد الحصص الدراسية، فيكون هناك موعد محدد لكل مادة، لا يزيد عن خمسة وأربعين دقيقة، ثم عشر دقائق راحة، والأمر متروك لك ولما يناسب طفلك، أهم شيء أن تبتكر نظامًا وتُنفذه. ويجب أن تقوم بتعريف الطفل أن هذا النظام عند تنفيذه ستكون هناك مكافآت، وعند تركه سيكون هناك عقوبة (ليس بالضرب والإهانة والصراخ بالتأكيد)، عقوبة مناسبة لما فعله، لا أكبر ولا أصغر؛ تارة بالحرمان من المصروف في اليوم الذي لم يتبع النظام فيه، أو عدم مشاهدة الكارتون مثلًا، أو عدم الذهاب للعب مع الأطفال، وما شابه ذلك.

 

ومع الوقت سيتم السير على النظام بصورة مُرضية، ولكن بشرط عدم التهاون في تطبيق النظام وعدم الملل، وبالطبع سيكون هناك خروج عن النظام لأن الطفل سيظل طفلًا وهذه الخروقات الخفيفة يتم تداركها وغض النظر عنها ما دام الطفل حقق 75 أو 80% من أهداف النظام اليومي؛ فالعقوبة لا تكون جرَّاء الأخطاء الصغيرة العادية التي يرتكبها الطفل بغير قصده ونتيجة تكوينه العقلي ومرحلته العمرية.

 

أختم هذا المقال بالتأكيد على أن التعليم المرن إذا لم يُطبَّق وفق المعايير الصحيحة والأساليب التربوية القويمة التي تكلمنا عن بعضها في هذه المقالات الثلاث؛ فمن الممكن أن يؤدي إلى نتيجة عكسية، وحينها ستكون المدرسة أفضل للطفل كما قلنا سابقًا؛ فالتعليم المنزلي أو المرن هو منظومة تعليمية وتربوية كاملة، ولا تعني حبسك للطفل في البيت لتدرسه وتربيه بنفس الطرق التقليدية مع ما يصاحب ذلك من الضرب والصراخ والإهانة، أو أن تعزله عن العالم؛ فهذا سجن وليس تعليمًا والمدرسة حينها أفضل بكثير. فقبل خوض هذه التجربة لابد أن تتأكد من أنك قادر على النجاح فيها، وأنك ذو هِمة عالية؛ لأنها تتعلق بطفلك ومستقبله ونفسيته، وهذا ليس بالأمر الهين.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة