محمد العمر
محمد العمر
845

الدور الأميركي في المنطقة: عندما تتحكم الأيديولوجيا بالسياسة

15/4/2017
أولا: محددات السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

في الحقيقة، إن السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط ليس حرة، وليست مرتبطة بمصالح الدولة الأمريكية وأمنها، أولا كما يتخيل الكثيرون، بل إنها تابعة تبعية شبه مطلقة لإرادة جماعات الضغط الموالية لإسرائيل، والتي تشكل الجزء الأهم من عالم المال والثراء المسيطر في الولايات المتحدة الأمريكية. يقوم دور جماعات الضغط الموالية لإسرائيل في الولايات المتحدة على توجيه السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط تبعا لما تمليه مصلحة "اسرائيل"، وبغض النظر عن مصالح وأهداف الدولة الأمريكية.

أما الأدلة على ذلك فهي وفيرة للغاية، مثل قصف إسرائيل للباخرة الأمريكية ليبرتي وقتل 34 بحارا أمريكيا على متنها دون أن تلقى أي رد فعل أمريكي، مرورا بتسليم أمريكا السرب الوحيد لديها من الطائرات المتطورة المزودة بصواريخ مافريك إلى إسرائيل، وموافقة الكونغرس الأمريكي بأغلبية 98 بالمئة من أعضائه على قرار بإلغاء كل القيود على المبادلات التجارية مع إسرائيل رغما عن تحفظ وزارة التجارة الأمريكية على ذلك، ومعارضة كل النقابات وغير ذلك كثير.

"إن تاثير رئيس وزراء إسرائيل على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط أكبر بكثير من تأثيره في بلاده ذاتها"، "بول فندلي" في كتابه "من يجرؤ على الكلام".

لم يتوقف داعمو إسرائيل عن إحكام قبضتهم عاما بعد عام على كل مفاصل السياسة الأمريكية في الكونغرس والبنتاغون والاستخبارات، ووصولا إلى البيت الأبيض مستخدمين كل الوسائل المتاحة. وعلى ضوء ذلك تمكنت "إسرائيل" من الحصول عام 2016 على صفقة مساعدات عسكرية تعتبر الأكبر في تاريخها بقيمة 38 مليار دولار.

ولعل التحقيق الاستقصائي الذي قامت به مؤخرا قناة الجزيرة الفضائية حول نفوذ اللوبي الإسرائيلي في لندن يظهر مثالا عن الطريقة والأسلوب الذي يتبعه هؤلاء للتأثير على سياسات الدول تجاه قضايا الشرق الأوسط. ومما كان لافتا للانتباه في هذه القضية هو ردة الفعل الرسمي البريطاني على هذه الفضيحة والذي اكتفى باستقالة موظف السفارة الإسرائيلية الذي كان يتآمر لتلطيخ سمعة أحد اللوردات البريطانيين بسبب اتخاذه موقفا مناهضا للاستيطان، كما أنها أمرت بطي الملف وعدم فتح أي تحقيق فيه!

في المحصلة، إن خير تلخيص لمستوى نفوذ إسرائيل في أمريكا هو ما أورده السيناتور "بول فندلي" في كتابه "من يجرؤ على الكلام...الشعب والمؤسسات في مواجهة اللوبي الإسرائيلي "عندما قال: "إن تاثير رئيس وزراء إسرائيل على السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط أكبر بكثير من تأثيره في بلاده ذاتها"

ثانيا: "إسرائيل".. دولة الإيديولوجيا
تبدو "إسرائيل" منذ اندلاع الأزمة السورية كحمل وديع ومسالم. فبينما تنخرط كل القوى الإقليمية في حروب ضروس في سوريا، فإن "إسرائيل" تبقى على الحياد. علاوة على ذلك، "إسرائيل"، تبدو للمراقب "كدولة" تريد "سلتها بدون عنب"؛ فهي لم تشارك بأي مؤتمر يخص القضية السورية في جنيف أو موسكو أو فيننا، أو أستانا أو غيرها، ويبدو دورها مقتصرا على ضرب بعض قواعد الأسلحة التي تسعى إيران لتسليمها لحزب الله على الأراضي السورية وعلى بعض المعالجات الموضعية "للأخطار الارهابية" التي تتهدد حدودها مع سوريا. لكن الحقيقة مخالفة لهذا تماما.

إن أمريكا ليست متخاذلة في سوريا، بل إنها تلعب دورا محوريا في إدارة الازمة من أجل إطالتها تنفيذا لرغبة إسرائيل التي تحلم بقدوم اليوم الذي ترى فيه المنطقة كلها أنقاضا على رؤوس اصحابها.

لا يشك عاقل في أن "إسرائيل" إنما هي فكرة إيديولوجية بامتياز، هذه الفكرة قائمة على مجموعة من المعتقدات لدى رؤوس الحركة الصهيونية من مثل "الأرض الموعودة وإسرائيل الكبرى". لو تجاوزنا كل التحركات التكتيكية لإسرائيل من مثل اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، أو محادثات السلام مع الفلسطينيين أو غيرها، فإن الأهداف الاستراتيجية الكبرى "لإسرائيل" واضحة للغاية وتنتظر الفرصة الملائمة للتنفيذ.

إن مخطط بناء "إسرائيل الكبرى" حسب الرواية التوراتية (سفر التكوين 18:15- 21) كان يستحوذ دائما على فكر كبار قادة الحركة الصهيونية من أمثال "مناحيم بيغين" و"ديفيد بن غوريون". كما أن "تيودور هرتزل" مؤسس الحركة الصهيونية ذكر صراحة في مذكراته بأن الدولة اليهودية ستمتد من النيل إلى الفرات. ومن البديهي أن قيام "إسرائيل الكبرى" لا يمكن بحال من الأحوال أن يتم في حالة من الاستقرار أو التناغم في المنطقة، بل يحتاج إلى فوضى عارمة تترافق مع تفتيت النسيج الاجتماعي لشعوب المنطقة من أجل الوصول إلى دول فاشلة ممزقة ومستنزفة تماما يسهل التلاعب بها.

إن ما يجري في سوريا والعراق هو بالتحديد ما تريده إسرائيل لتحقيق أهدافها. فقد نشرت مجلة "كيفونيم" التي تصدرها المنظمة الصهيونية العالمية في عددها رقم 14 الصادر عام شباط عام 1982 مقالا للكاتب الصهيوني "عوديد يونيون" عن خطط "إسرائيل" الاستراتيجية في الثمانينيات ومما جاء فيها: 
"ينبغي أن يكون تقسيم العراق وسوريا إلى مناطق منفصلة على أساس عرقي أو ديني أحد الأهداف الأساسية "لإسرائيل" على المدى البعيد.. والخطوة الأولى تكمن في تحطيم القوة العسكرية لهذين البلدين".

وتتابع المجلة: "بالنسبة للعراق، ذلك البلد الغني بالموارد النفطية والذي تتنازعه الصراعات الداخلية، فهو يقع على خط المواجهة مع "إسرائيل"، ويعد تفكيكه أمرا مهما، بل إنه أكثر أهمية من تفكيك سوريا، لأن العراق يمثل على المدى القريب أخطر تهديد "لإسرائيل"، ولما كانت هذه الخطط تتضمن أهدافا بعيدة المدى ومحفوفة بالكثير من المخاطر.

فقد نجحت مجموعات الضغط الموالية "لإسرائيل" من دفع الولايات المتحدة الأمريكية للقيام بهذا الدور. وهذا ما يفسر حقيقة الحرب الأمريكية على العراق منذ بداياتها أوائل التسعينيات، مرورا بالغزو عام 2003 وما تبعه من حل الجيش العراقي، والقضاء على مؤسسات الدولة، ووصولا إلى الانسحاب من العراق وتسليمه لإيران بطريقة لا يمكن لصبي صغير أن يفعلها لو كان يهدف فعلا لبناء العراق أو لنشر الديمقراطية فيه.

إن مخطط بناء "إسرائيل الكبرى" حسب الرواية التوراتية (سفر التكوين 18:15- 21) كان يستحوذ دائما على فكر كبار قادة الحركة الصهيونية من أمثال "مناحيم بيغين" و"ديفيد بن غوريون".

تم بالفعل تدمير العراق وتفتيت نسيجه الاجتماعي بقوة الولايات المتحدة الأمريكية. إن انهيار العراق بهذا الشكل الكارثي فتح المجال واسعا أمام الفوضى في المنطقة بأسرها، ودون الحاجة هذه المرة للتدخل المباشر، وهذا ما يحصل في سوريا حاليا. فالدور الواضح والجلي الذي تلعبه القوى الكبرى في سوريا، وخاصة الولايات المتحدة، هو الحفاظ على حالة من التوازن بين القوى المتصارعة في سوريا ومنع أي منها من حسم الأمور لصالحه، وذلك للوصول إلى أكبر قدر ممكن من التدمير والقتل والتهجير.

هكذا نستطيع أن نفهم سبب التخاذل الأمريكي عن التدخل في سوريا حتى الآن، ولنكن دقيقين أكثر، فإن أمريكا ليست متخاذلة في سوريا، بل إنها تلعب دورا محوريا في إدارة الازمة من أجل إطالتها تنفيذا لرغبة إسرائيل التي تحلم بقدوم اليوم الذي ترى فيه المنطقة كلها أنقاضا على رؤوس اصحابها.

تبعا لهذا المقال، ونظرا للتشابك الهائل في المصالح والأهداف بين الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بأزمات المنطقة، قد تثور العديد من التساؤلات المشروعة في ذهن القارئ:
إدارة ترامب، هل لديها فعلا سياسة مختلفة عن إدارة أوباما في سوريا؟ 

ما هي طبيعة الدور الإيراني في المنطقة... وما هي علاقته بالدور الأمريكي؟
ما هي حدود الدور الروسي في سوريا؟
ما هي طبيعة دور وأهداف تركيا في المنطقة؟
سنحاول ربط الأحداث وتقديم إجابات موضوعية على هذه التساؤلات في مقالات لاحقة بإذن الله..

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة