أنس السلطان
أنس السلطان
3.5 k

وجاء دور الأزهر (بكائية الثور الأسود)

15/4/2017
قصة شهيرة جدا عن ثيران أربعة، أبيض وأحمر وأصفر وأسود يرويها ابن المقفع في ترجمته لقصص كليلة ودمنة نقصها بتعديلات نريد من خلالها أن نقول شيئا، بل أشياء.

تحكى القصة أن فيلًا قد مات وترك في ما ترك من أملاكه أربعة ثيران بالألوان الأربعة السابق ذكرها تعيش في أرض غنية بالخيرات والثروات، وفيها ألوان الطعام والشراب وفيرة سهلة، وقد تشردت الثيران كثيرا من بعده ولم تستطع تدبير شؤونها بنفسها لأن علة العبودية لا تزال تسكن نفوسها وتسيطر عليها، وهذا شأن من اعتاد حياة العبيد فتجده يأنف من طعم الحرية ولا يستسيغه بل وينكر على من يدعو إلى تذوق شراب الحرية متهما إياهم بإثارة الفتنة وتكدير الرأي العام.

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد *** وينكر الفم طعم الماء من سقم (1)

وبعد فترة اتفقت الثيران على أن تبحث لنفسها عن مليك جديد تنقاد له وتطيع أوامره؛ فإن العبد إذا لم يجد سيدا بحث عنه لكنه لا يمكنه أن يتصور نفسه حرا.

دخلت الثيران الأربعةُ غابةً كبيرة كانوا قديما من سكانها قبل أن يتم استعبادهم من الفيل الميت، فأخذوا يبحثون كثيرا عن هذا المليك الجديد فقالوا: نبحث عن الأغنى مِلكا والأقوى بدنا ليحمينا بغناه وقوته (تناسوا لحمقهم ما بهم من القوة والغنى)!

وفجأة سمعوا زئيرا اهتزت له أرجاء الغابة فقالوا: ها هو من سنعطيه صكوك عبوديتنا ونوليه أمر حريتنا ويكون مليكنا الـمُفَدَّى إذ يبدو من صوته العظيم أنه عظيم! (وهذا شأن ضعاف العقول المغترين بالصوت والصورة الإعلام والدعاية والطبل الأجوف الذي ما ارتفع صوته إلى لفراغ جوفه ولا يلتقت هؤلاء الحمقى إلى أن هذه عادة الشيطان، فقد قال الله تعالى لإبليس: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ ۚ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا) ). (2) 

لست جائعا الآن لكن للضرورة أحكام كما تعلم، سآكله -مضطرا آسفا وكلي حزن على ذلك- ولنقل لإخوته إنه قد لحق بكم وإلى الآن لم يعد ولعله قد ضاع أو قُتل.
اغترت الثيران الحمقاء بالصوت المرتفع فظنوا صاحبه أقوى منهم بنية وأحق بالطاعة؛ فهرولت نحو صوت سيدها الجديد تبحث عنه حتى وجدته بعد عبور نهر عظيم يفصل بين جزئي الغابة الغني والفقير، وبزئرة واحدة من السيد الجديد كانت الثيران قد أرخت أرجلها وأيديها لتقدم فروض الطاعة والولاء للسيد العظيم الـمُطاع ملك الغابة، فقال الأسد للثيران انقلوني من هذا الجزء الفقير من الغابة إلى جزئكم الغني؛ فأنا أعرف الكثير من شوؤن الحكم لنجعل ذلك الجزء الغني أغدق عطاءً وأكثر منفعة لنا جميعا.

هرولت الثيران مسرعة لتنقل على أظهرها مليكها الجديد، تنقله لضفة الغنى سعيا للنماء والبناء والاستقرار والعمران، وتعجبت الثيران القوية من خفة وزن مليكهم فهو هزيل نقل في ثوان معدودات للضفة الأخرى بسواعد فتية وظهور متينة لثيران قوية باسلة.. وفي اليوم التالي كانت الثيران ترعى في المراعي الخصبة الهانئة والأسد المليك يرمق ثيرانه المملوكة بنظرة يعرفها كثير منا، قفز بنشاط وخفة أحد الثيران الأربعة تاركا المرعى مهرولا إلى الأسد ليبدي طاعته واهتمامه بمليكه الجديد، كان هذا هو الثور الأسود.

نظر الثور الأسود بإذعان وطاعة وحب إلى سيده الأسد وقال: (سيدي ما بالك لا تأكل معنا؟ فالمرعى وافر وحلال طيب).

فقال الأسد: إني منشغل في التفكير في طريقة لحماية المراعي الخصبة حتى لا يأتي إليها غازٍ معتدٍ من شُذاذ الآفاق فيعتدي عليها ويهلك ثرواتها، وهنا مال الثور الأسود إل سيده وقال له: مرني يا سيدي ستجدني طوع أمرك ورهن بنانك. فقال الأسد: لا أجد في المرعى سوى ذلك الثور الأبيض فأين ذهب أخواه (يعني الثور الأحمر والأصفر)؟
فقال الثور الأسود: إنهما في رحلة يا سيدي لغابة البقرات البيض. فمال الملك هامسا في أذن ثوره.

ماذا نفعل لولا وجودك على رأس غابتنا الحبيبة الحرة الآمنة المطمئنة، يا سيدي لولا وجودك لتخطفنا الأعداء من كل جانب ولما بقي لنا استقرار ولا أمان.
الأسود قائلا: اصدقني القول يا وزيري الأسود أوليس لون صديقك الثور الأبيض لافتا للنظر بسطوعه وانعكاسه خصوصا للصيادين المعتدين الذين يريدون الإغارة على غابتنا الحبيبة الحرة الآمنة المطمئنة؟ إنه يستفز أبصارهم ويثير حفيظتهم ولعل أحدهم يأتي إلينا فيقضي علينا جميعا بسببه!
فقال الثور الأسود: بلى بلى يا سيدي إنه لافت للنظر حقا، مرني ياسيدي أأطرده من غابتنا الحبيبة الحرة الآمنة المطمئنة؟ فقال الأسد: لا، لا أريد أن يقال عني بأني ظالم أطرد أبناء قومي دون سبب.
قال الثور الأسود: فماذا ترى يا سيدي؟
 
قال المليك المعظم: إني لست جائعا الآن لكن للضرورة أحكام كما تعلم، سآكله -مضطرا آسفا وكلي حزن على ذلك- ولنقل لإخوته إنه قد لحق بكم وإلى الآن لم يعد ولعله قد ضاع أو قُتل.

قال الثور الأسود: نعم الرأي ياسيدي، أعانك الله على ما تكابده من ويلات الحكم ومشقات الإمارة.
فوثب الأسد الهزيل على الثور الأبيض الوحيد فالتهمه في ساعة، والثور الأسود ينظر للأمر على أنه من باب الضرورات التي تبيح المحضورات، إذ إن الحفاظ على غابتنا الحبيبة حرة آمنة مطمئنة هو أمر مهم وجليل وتهون في سبيله كل التضحيات، ولا بأس لو صبرنا قليلا من أجل مستقبل مشرق، فمصلحة المجموع مقدمة على مصلحة الفرد بالتأكيد.

عاد الثوران (الأحمر والأصفر) من رحلتهما فسألا عن أخيهما المفقود، فرد الثور الأسود بتحمس قائلا: إن أخاهم قد لحق بهما ولم يعد فلعله تاه أو مات، بتبجح قال ما قال، وبصفاقة كان يكذب على إخوته وهو ينظر في أعينهم، وما هي إلا أيام قليلة حتى كانت الثيران قد نسيت أمر أخيها المفقود. وذات يوم لمع وبر الثور الأحمر فلمعت فكرة في رأس الملك الغضنفر..

تأفف متقززا مبديا امتعاضه أمام وزيره الأول (الثور الأسود) وقال: كم كنت قديما أهجم على ثيران حُـمْر بسبب حمرة ولمعان ظهورها، إني مُـحتار يا وزيري وخائف من أن أرى أسدا غيري ينتهك ملكي ومملكتي ويهجم على هذا الثور الأحمر فيأكله مما يهدد استقرار وسيادة غابتنا الحبيبة الحرة الآمنة المطمئنة، فنصبح جميعا طعاما سائغا لغيرنا من الأعداء المعتدين، وأنت تعلم مدى وهني يا وزيري فإني لم آكل منذ فترة طويلة وبهذا قد أكون عاجزا عن حمايتكم من هجمات ومكائد الأعداء، فماذا تشير علي يا وزيري العزيز؟

هتف الثور الأسود في غضب محمود قائلا: لعنة الله على الجهل والحماقة التي تكاد تهلك غابتنا الطيبة، فبماذا تأمرنا يا سيدي حتى نتخلص من هذه الدعوات المدمرة.
فقال الثور الأسود: كله إذن يا سيدي، كله لتتقوى وتحمينا في كنفك الحصين فمن لنا غيرك وماذا نفعل لولا وجودك على رأس غابتنا الحبيبة الحرة الآمنة المطمئنة، يا سيدي لولا وجودك لتخطفنا الأعداء من كل جانب ولما بقي لنا استقرار ولا أمان، فلا بأس إذن من أن يتحمل بعضنا مثل هذه الصعوبات من أجل صلاح أمر الجميع واستقرار الغابة الحبيبة وسلامة أراضيها.
أكل الأسدُ الثورَ الأحمرَ كما أكل أخاه من قبل، وذهب كل منهما غيرَ مأسوفٍ عليه!

ومرت الأيام فخارت قوى الأسد المتين ولم يتبق فيه شيء من القوة سوى عقل يعمل ويخطط ويدبر، ومر الثور الأسود (الوزير المقرب) فرأى سيده الأسد في هذا الحال البائس فقال له: ما بالك يا سيدي مهموم حزين لا تزمجر كالعادة؟ إن رؤيتك حزينا يشق علينا جدا يا سيدي فسعادة البلاد في سعادتك وسلامتها في سلامتك وأمنها من أمنك واستقراها في استقرار أمرك سيدا لها وحاكما مطاعا فيها.

فقال الملك: أفبغير رعيتي مشغول وأنت ترى كيف آل حال مرعانا من غنى إلى فقر مدقع بسبب قلة العمالة بعد رحيل الثورين الخائنين (الأبيض والأحمر)؟ اسمع يا وزيري المقرب، إن إناث شعبي الطيب ولودات وهذا يزيد من تدهور مرعانا وزيادة فقرنا ولا بد من إيجاد طريقة تحد من الزيادة السكانية الكبيرة لشعبنا العظيم.

يا وزيري المقرب، إن غابتنا الحبيبة الحرة الآمنة المطمئنة كانت دائما رمز الغنى والوفرة، وإذا كثر عدد المواليد فإن هذا يهدد استقرارنا غابة غنية سعيدة فاقتسام الموارد بين العدد القليل أفضل كثيرا من اقتسامها بين الكثيرين، وأن تكون غابتنا قليلة العدد مستقرة أفضل من أن يكثر العدد ونستهلك الموارد فيؤدي بنا هذا إلى الهلاك السريع، وكم ناديت كثيرا بتحديد النسل من أجل تربية أفضل للصغار ولكن الأبقار الغبية لا تستجيب لهذه الدعوات المخلصة التي أدعوهم إليها ويستجيبون للأفكار المغرضة التي يثيرها فيهم هذا الثور الأصفر الذي يدعي -كاذبا- أن الكثرة أحد سبل القوة وزيادة الإنتاج، لعنة الله على هذا الجاهل صاحب الدعوات المتشددة المضللة الذي يريد تدمير استقرار وسعادة وسلامة غابتنا الحبيبة الحرة الآمنة المطمئنة.

وثب مليكنا المظفر على ثوره الأسود ليأكله، فصاح الثور الأسود الوزير قائلا: والله ما أكلت إلا يوم أكل أخي الثور الأبيض لكن بعد أوانه لا يفيد!
فهتف الثور الأسود في غضب محمود قائلا: لعنة الله على الجهل والحماقة التي تكاد تهلك غابتنا الطيبة، فبماذا تأمرنا يا سيدي حتى نتخلص من هذه الدعوات المدمرة، إن استقرار وأمان غابتنا يا سيدي مقدم على كل الأمور، فالغابة أولا، وأمن الغابة قبل كل شيء!

فقال الملك المعظم والمليك الـمُفَدَّى: إن لدي فكرة أود أخذ رأيك فيها فأنت وزيري، والمقرب مني، وأنا لا أقطع بأمرك دونك، ولا أمضي أمرا دون مشورتك، وإني أفكر في أنه إذا ما أكلت ثورنا الأصفر المزواج ثم أوكلنا إليك أنت مهمة الزواج من إناث شعبنا فإني أثق في أنك ستنظم تلك العملية بفضل علمك وحكمتك وعقلك وحسن سياستك وعظيم قدرتك على كبح عواطفك الوثابة.

صاح الثور الأسود مزهوا بنفسه قائلا: (الله ، الله) ياسيدي ما أشد رصانة فكرك وسداد حكمك، كله، كله ياسيدي وإني بفضل الله تعالى قادر على تولي هذه المسؤولية التي كلفتني بها ومستعد لتولي الأمانة التي حملتني إياها.

مشى الأسد متعثرا من هرمه إلا أنه افترس ثورنا الأصفر المزواج وآلت زوجات الثور الأصفر للثور الأسود الحكيم العاقل الباقي الناجي من المهالك الوزير المقرب من الملك العظيم القائد الملهم.

وفي يوم من الأيام، وبينما كان الأسد المظفر بين أبنائه (الصغار الجدد، إذ دعوات التقشق والصبر وتحديد النسل لا تسري على الملوك أسودا ولبؤات وإنما هي خاصة بالثيران والأبقار فقط) مر به وزيره الثور الأسود فسأله الأسد: كيف إناثك يا عزيزي؟

فقال الثور الأسود: وهنت ولم أستطع أن أرضيهن وأكفي حاجاتهن وقل شعبك يا مولاي.
فقال الأسد الملك العظيم: قلة أو كثرة إنجاب نساء شعبي لا تعنيني الآن؛ فإني وأولادي لفي جوع شديد، ويبدو أن لحمك لشهي أيها الوزير العزيز، ووثب مليكنا المظفر على ثوره الأسود ليأكله، فصاح الثور الأسود الوزير قائلا: والله ما أكلت إلا يوم أكل أخي الثور الأبيض لكن بعد أوانه لا يفيد!

دلالات القصة واضحة، والجميع يعرفها، ولكن الشيطان يزين لأوليائه الفرقة مغريا كل فريق بالسيادة أن ترك إخوانه يهلكون فلا يبقى غيره سيدا مطاعا محترما مبجلا، وينسى هذا المغرور أنه ماكول لا محال ولو بعد حين.

وعندما نتحدث عن الأزهر نجد الأمر يكاد ينطبق مع القصة، بل وكانت خطة الأسد الهزيل الغادر معلنة وواضحة جدا نتحدث عنها في المقال المقبل بعنوان: رسالة إلى باسم يوسف، اذهب وقبل يد شيخ الأزهر!
___________________________
الهامش:
1- البيت من بردة البوصيري رحمه الله.
2- سورة الإسراء 64

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

سَلامًا أيُّها الوَطَنُ الذّبيحُ

مُهداة إلى الّذين يحاولون أنْ يتنفّسوا الحريّة في طوفانٍ من الدّماء وَيا بَرَدى (دِمَشْقُ) تَهُونُ؟! كَلاّ أَعَنْ وَجْهِي - لِغُرْبَتِها - تُشِيحُ حَوارِيْها الحَوَارِيُّونَ فِيها تُعانِي ما يُعانِيهِ المَسِيحُ غَدًا سَتَقُومُ لا عَجْزًا تراخَتْ

969
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة