بيسان الخاروف
بيسان الخاروف
3.8 k

عذراً أبي..

18/4/2017
عذرًا أبي

لأني اليوم أمحو كل معتقداتي الماضية، وأخلعُ معطف بعض مبادئي الساذجة؛ لأنّي اليوم أخوضُ تجربةً مختلفة، قد تدركها وقد تجهلها، قد تتقبلها أو ترفضها، لأني الآن أعيش تجربتي وأرتدي معطفًا لمبادئ أخرى أكثر قوةً ومتانة، تنبع مني فألتزمها بقناعةٍ لا بوصاية، بحبٍ لا بخوف، بإدراكٍ لا بتقليد.

 

عذرًا أبي

فأنا اليوم أكثر قوةً وأنا وحدي، أعيشُ التفاصيل ولا تعيشُني، أكتب الدورَ ولا يكتبني، وأُخرِج المشهدَ ولا يُخرجني، أهملُ العيونَ حولي وأرمي كلام البعض أرضًا؛ لأنه الآن بات لا يهمني، وأصبحت أعرف فعلًا من أكون.

 

عذرًا أبي

لأنّي أخذت مصروفي منك وفي أغلب المرات كذبت حين قلت لك أنني سأشتري كتبًا جامعية، أو دفاترًا للواجبات، فذهبتُ عوضًا عن ذلك واشتريت روايةً أو كتابًا واسترقتُ مقدمته في الطريق، كملهوفٍ لاقى نصفَه بعد ضياع، عذرًا لأنني لم أُوفّر من مصروفي فاشتريت ذاك الكتاب، وحين اتصلتَ تطمئن عليَّ لم أجب، فتحججت بأني كنتُ نائمة، وأنا كنت أسافر بين السطور وفي غير هذه البلاد، ونمتُ في تلك الليلة فرحةً راضيةً عن نفسي أكثر من أعلى علامةٍ في اختبار، وهمتُ في نفسي فرحًا حين قال كاتبٌ أو كاتبةٌ أنتِ تبدعين، أكثر من منحةٍ مجانيةٍ لدراستي الجامعية.

 

عذراً أبي.. لأنني لم أعد أطمح لأكونَ مكان دميتي الآن، ولأني كسرت حلمك مرارًا بأن تراني أُزف لمن تراه يناسبني بالشكليات الخارجية، فرفضته لأني لا زلت أريد أن أحيا الحياة

عذرًا أبي

لقد عشتُ طويلًا بين عرائسِ ألعابي، واستهلكتُ جميع المناديل الورقية التي كانت تضعها أمي في العلبة في غرفة الضيوف، ولففتُ بها عرائسي وزففتها بالأبيض، ورقصتُ معها كثيرًا وحدنا، وكنت أُنطقها رغم صمتِها، وأعيش معها رغم جمودِها، وأبثُّ فيها بخيالي الحياة فأحدثها، وأمضي ساعات وحدي وقت الظهيرة أقفل على نفسي حتى تصحو من قيلولتك فتفتح الباب عليّ تتساءل ما كل هذا الوقت الذي أمضيه وحدي، أنا لاعبتها جدًا وزففتها مرارًا فكان حلمي أن أكون بدلًا منها عروسًا وأتمنى منها أن تبادلني الدور فتزفّني كما أزفها، ولكنّي كبرتُ أنا وضاعت هي ولم تزفني ولو مرةً واحدة، وضاع حلمي الطفولي معها منذ ذلك الحين، وأصبح الزواج لي قرارًا يحتاج لدراسةٍ وخبرةٍ أكثر من سنين دراستي لتخصصٍ ما.

 

عذرًا أبي

لأنني لم أعد أطمح لأكونَ مكان دميتي الآن، ولأني كسرت حلمك مرارًا بأن تراني أُزف لمن تراه يناسبني بالشكليات الخارجية، فرفضته لأني لا زلت أريد أن أحيا الحياة، عذرًا لأني أجعلك تخاف كل هذا الخوف حين أنام بعيدةً عن البيت، وأني أمضي الآن باتجاهٍ غير ذاك الذي رسمته لي، فوجدتُ فيه نفسي وجلسنا ونسيت أن أعود.

 

عذرًا أبي

لأنني أرغمتك على كل جديد، حلقتُ بكَ في سماءٍ غير تلك التي تعتادها، ولم أصمت حين توبخني على حقي الذي سلبته ثقافة مجتمع، وحقك في أن أكونَ مطيعةً للعادات، تريدني امرأةً نمطيةً تحب الطبخ وتُملي وقتها في صنع الكعك، بالمناسبة لا أجيد صنع الكعك عكس كل الفتيات، تريدني أن أكون مسالمةً لا ثائرة، صامتةً لا متحدثة، أن أقفل التفكير وأدور بعيدًا عن الحدود الممنوعة لأبقى آمنة.

عذرًا أبي

لأنَّ أحلامي تزداد كثيرًا، في كل دقيقةٍ يُراودني حلمٌ جديد، بكل كلمةٍ من إنسانٍ مفعمٍ بالحرية والأمل يشجعني ويقول لي: "ستستطيعين الوصول"، عذرًا لأنني أزيُد همَّك أكثر، وأستدعيك للخوف أكثر وأكثر، عذرًا لأني زرعتُ أحلامي في صدرك فاسترقتُ الحياةَ من نبضِك، وعاشت ترتوي من أنفاسِك المتعبة، وخيوط يديكَ المرهقة، ومن تجاعيد وجهك التي بدت تظهر رويدًا رويدًا، عذرًا لأني أرفض أن أعودَ محدودة الحلم، ولأن قلمي تجرأ على وجعي وضعفي وخوفي فقال لي: اكتبي حتى تدركي الحياة، عذرًا لأني سأتعبكَ أكثر رغمًا عني حتى أحيا، عذرًا بحجم كل السماء، وعدد الشيب الذي بات يغزو شعرك، ولتنهيداتك الخائفة وحبَّات عرقكَ المنثور في جبينك، عذرًا لأنني أرفض التوقف، ولأنّك لا تتوقف عن المزيدِ من الخوف!

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة