الحكم الرشيد (2)

19/4/2017
عندما تولى عمر الفاروق الولاية تعامل مع خزينة الدولة كتعامل الناظر في مال اليتيم، فقد روى ابن سعد وابن أبي شيبة عن حارثة بن مضرب قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف. كأنه يشير إلى قول الله تعالى: "وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ".

ولما تساءل البعض عما يحلُّ لأمير المؤمنين من مال الأمة، فقال عمر أنا أخبركم بما أستحل منه، يحل لي حلتان: حلة في الشتاء، وحلة في القيظ. وما أحج عليه وأعتمر من الظهر، وقوتي وقوت أهلي كقوت رجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بَعْدُ رجل من المسلمين يصيبني ما يصيبهم.. وكأن عمر رضي الله عنه يستلهم من حديث عبد الله بن زرير عن علي بن أبي طالب قال: يا ابن زرير إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا يحل للخليفة من مال الله إلا قصعتان، قصعة يأكلها هو وأهله، وقصعة يضعها بين الناس". أحمد، وابن أبي الدنيا في الورع وصححه الإمام الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة حديث رقم 362.

إني نهيت عن كذا وكذا، والناس إنما ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتى برجل منكم وقع في شيء مما نهيت عنه الناس، إلا أضعفت له العقوبة لمكانه مني.
ولم تتوقف سياسة عمر في التعامل مع المال العام عند هذا الحد؛ بل أخضع تصرفات أولاده لهذه الشفافية ولو كانوا مستقلين في تصرفاتهم وأحوالهم، فقد روى لنا الإمام مالك في كتاب الموطأ بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال خرج عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في جيش إلى العراق، فلما قفلا مرا على أبي موسى الأشعري وهو أمير البصرة، فرحب بهما وسهل، ثم قال لو أقدر لكما على أمر أنفعكما به لفعلت، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين، فأسلفكماه فتبتاعان به متاعا من متاع العراق ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، ويكون الربح لكما، فقالا وددنا ذلك، ففعل وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ منهما المال، فلما قدما باعا فأربحا، فلما دفعا ذلك إلى عمر، قال أكل الجيش أسلفه مثل ما أسلفكما، قالا: لا، فقال عمر بن الخطاب ابنا أمير المؤمنين، فأسلفكما، أديا المال وربحه.

فأما عبد الله فسكت، وأما عبيد الله فقال ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين، هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه، فقال عمر أدياه، فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله. فقال رجل من جلساء عمر يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضا، فقال عمر، قد جعلته قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب نصف ربح المال. فالحكم الرشيد لا يفرق بين القريب والبعيد، بل يسعى لإبعاد القريب عن شبهة الاقتراب من المال العام.

فهذا تعامل خير خلق الله أجمعين لأهل بيته وتحذيره من التطلع إلى المال العام، فقد روى البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالنخل عند صرامه، فيجيء هذا بتمره وهذا من تمره، حتى يصير عنده كوم من تمر، فجعل الحسن والحسين يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجها من فيه، فقال: أما علمت أن آل محمد لا يأكلون الصدقة، ورواه مسلم وقال إنا لا تحل لنا الصدقة.

وسيدنا عمر الفاروق ينهل من معين الحبيب صلى الله عليه وسلم، فتطبيق مرسومه الأميري يبدأ من أهل بيته قبل الآخرين، فعن سالم بن عمر بن الخطاب، عن أبيه، قال: كان عمر بن الخطاب إذا نهى الناس عن شيء دخل إلى أهله أو قال: جمع فقال: إني نهيت عن كذا وكذا، والناس إنما ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتى برجل منكم وقع في شيء مما نهيت عنه الناس، إلا أضعفت له العقوبة لمكانه مني، فمن شاء فليتقدم ومن شاء فليتأخر. مصنف عبد الرزاق.
وللقصة بقية.... 

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة