محمد معاذ شهبان
محمد معاذ شهبان
1.4 k

سأعيش في جلباب أبي..

20/4/2017

 الثابتُ أن حُسنَ التربية من سوئها، وجمال الطباعِ من قُبحها؛ وثيق الرباط بما يُورثه الوالدان لذُريتهما من مبادئ وأسس ومعانٍ تجمعُ بين الديني والدنيوي لتكوين شخصية سوية متوازنة الأفكار والأفعال.

 

هممتُ بالكتابة دون ترددٍ بعد أن لم أجدْ سبيلاً غيرها لأخاطبَ نفسي وأَصُدَّ ما يُصادمها يومياً من الخطابات القاطعة مع القيم والموغلة في اللامبالاة والتمرد.. هممتُ بالكتابة لأنَ في ثناياها إجابة عنْ تساؤلات النفس قد تُلبي بعضاً من فضولها، ولربما يجدُ كثيرون أنفسهم في سطوري هاته وإن قَلَّت.

 

تُصادفني، مثلما قد تُصادفكم، في أحايين كثيرة مواقفٌ ونقاشات تدفعني إلى الدخول في جِدالٍ مع نفسي متسائلاً عنْ منطقية مُخرجاتها من عدمها، وأجدُ نفسي، مثلما قدْ تجدونَ أنفسَكم، في صراعٍ بين الحرص على ما نَهلته من مبادئ وبين مُسايرة ما هو عليهِ حال الحياة العامة لمجتمعاتنا اليوم، فتراودني الرغبة، مثلما قدْ تُراودُكم، في أن أنتقي أَمْكِنَتي الخاصة بما يؤثثها من أُناس وخصوصيات توافق ذوقي ولا تتيهُ فيها شخصيتي، ذلك أنني أخشى، مثلما قد تَخشون أنتُم، من الدخول في متاهة التصنع.. فتقمص الشخصيات.. فمسايرة ما لا تُحبذ مسايرتهُ.. فالدخول في دوامة صراع مع الهوية وحمولاتها.

 

سأعيش في جلباب أبي لأورثَ أبنائي ما علَّمنيه وأُبلغَ رسالته على أكمل وجه، سأظل ذلك الابن البار الذي كان يواكبُ خطواته الأولى ويوصي كل أساتذتي عند كل دخول مدرسي بعدم التردد في معاقبتي إذا ما صدر مني تقصير

بالأمس دار حوارٌ عابر بيني وبين شخص عابر جمعني به رحلة "ترامواي"، كان في الثلاثينيات من عُمره كثير الحركة والكلام وقد ميزته عن غيره تسريحة شعر غريبة. جلس بجانبي وأنا أتحدثُ مع والدي عبر الهاتف، وهو الذي اعتاد أن يطمئن بمعية والدتي على أحوالي وجديد أخباري يومياً، مثلما جرتْ على ذلك العادة منذُ استقراري بالرباط بعيداً عن أهلي بمراكش.. ما أنْ أنهيتُ المكالمة حتى باغتني مُجاوري دون مقدمات بالحديث عن أَن أيَّ والدَين يُبالغان في السؤال مثلما يُبالغان في حماية ذريتهما مهما نضجتْ..

 

حدَّثني عن حلاوة التمرد على التقاليد والأصل حسب فلسفته وعن ضرورة الخلاص من قيود الأهل وخوض المغامرات، عدَّ لي مغامراته الكثيرة وإن لمْ أجدها تستحقُ الذكر، عرجَ على تجاربهِ مع المُحرَّم والمُباح، ومرَّ على تلك الاسطوانة المشروخة التي تقول إن الحياة تُعاش مرة وتستحقُ ما تستحقه من تهور، نسجَ خلاصاته عن الدين والأخلاق وأن الإنسان خطَّاء والله غفورٌ رحيم. ثمَ أردف قائلاً أنَّ مهمةَ الوالدين تنتهي بانتهاء تربيتهما للأبناء في سِنٍّ معينة لتُتوَّجَ بانفصال الفرد عن الأهل ليُكوِّن شخصيته وحياته اللتان يبتغيهما!

 

شارفَ كلامهُ على النهاية وقد همَّ بالنزول في محطته فودَّعْتُهُ مختصراً كلفة الحديث في عبارة "في الأخير هما لا يريدان إلا الخير لنا دون مقابل.. وما هَمهما إلا راحتنا". ترجلَ من "الترامواي" وقد بدا أنهُ دخل في حوار مع نفسه ثم ترجلتُ في محطة موالية لأدخل بدوري في حوار مع نفسي..

 

محاوراً نفسي.. لا أدري ما تلك القيود التي يزعمونها، لم يسبق لي أن عانيتُ مع والدي من تضييقٍ على توجهاتي، وحتى إن كان والدي صارماً في تربيته مثلما عهدته من صغري إلى حدود الآن بخلفيته كمُربِّي وأستاذ في منظومة التعليم العمومي وما تُسبغه على منتسبيها من حرص على صغائر الأمور وشدة كلما تعلق الأمر بالدراسة.. فإن ما نهلتُه منه وما لا زلتُ أنهلهُ لم يضف لشخصيتي إلا إيجابيات الأمور.. ثم إن منطق الأمور منذ الأزل يجمع النجاح في الدنيا ومواكبة الوالدين في كفة واحدة.

 

سمعتُ ما سمعته إلا أنني سأبقى على عهدي، سأعيش في جلباب أبي لأورثَ أبنائي ما علَّمنيه وأُبلغَ رسالته على أكمل وجه، سأظل ذلك الابن البار الذي كان يواكبُ خطواته الأولى ويوصي كل أساتذتي عند كل دخول مدرسي بعدم التردد في معاقبتي إذا ما صدر مني تقصير.

 

سأعيش في جلباب أبي،

لأحققَ الأحلام التي لطالما تمناها وحكاها لي وهو يُجالسني في صغري كُلَّما عاد من العمل، لأطبعَ على اسمه وأنا أمُر بالدنيا، لألمس آخرين بما ورَّثنيه من طيب تعامل وتواضع شخصية.

 

لأنَّ هُوِيَّتي لا تكتمل إلا بالتشبُّثِ بِمَنْبَتِها، ومَسيري لا يستقيم إلا بتوجيهٍ مِمَّن خَطَّ أولى خطواتي وحَرَصَ على توازنها، لأنَّ قُوَّتي في هُوِيَّتي سأعيشُ في جلباب أبي..

سأعيش في جلباب أبي،

لأنه القدوة والسند، الصديق والناصح، وَقودي في أوقات ضعفي ومُؤْنِسِي في لحظات معاناتي.

 

سأعيش في جلباب أبي،

ذلك أنني تعلمتُ أن في الألم أملاً وعمري لا يتجاوز العاشرة؛ حين كنت أهُمُّ بإغلاق وفتح أزرار قميصه في عِزِّ صراعه مع المرض حينما تُطالعني ابتسامة ثغره، تعلمتُ أنَّ الإيمانَ بقضاء الله وقدره أعظمُ الشفاء وهو يجتثُ الورم بصبر من جسده.

 

سأعيش في جلباب أبي وأمي،

لأنني عهدتُ أول الحب معهما، وتجلتْ لي أسمى معانيه في رعاية والدتي لحبيبي، كما دَرَجَتْ على مناداته، في أوج مرضه صابرة مكافحة كبرياءها. لُقِّنْتُ معاني الجمال تحت رعايتهما وطُوِّرَت معانيَّ الخاصة للحياة من معانيهما.

 

لأنَّ هُوِيَّتي لا تكتمل إلا بالتشبُّثِ بِمَنْبَتِها، ومَسيري لا يستقيم إلا بتوجيهٍ مِمَّن خَطَّ أولى خطواتي وحَرَصَ على توازنها، لأنَّ قُوَّتي في هُوِيَّتي سأعيشُ في جلباب أبي..

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة