جهاد الرجبي
جهاد الرجبي
1.8 k

وتظلُّ الأسماء..

20/4/2017
إلى شهدائنا وأسرانا الذين حَفَرَتْ أسماؤهم فينا عميقاً.. إليهم وَهُم يرسمونَ بِدَمِهِم وصبرهِم خرائط عودتنا! شُموسٌ تُلاحِقُ شُموساً ولا تصل! وليلٌ يسابقُ ليلاً ولا يفوز! إن أنكرتَ دموعك لن تتلذذ بالبكاء! وإنْ انطفأتْ في يَدِكَ شُموعُكَ ليس غير اللهِ يأتيك بالضياء..

 

هِيَ أسماءٌ جاءت لتبقى! وكَمْ حَفَرَت في صدورنا الأسماء! أسماءٌ لِرِجَالٍ تعاهدوا على اللقاء، لِرِجالٍ حَمَلوا الشَّمسَ على أكتافهم ورحلوا.. تركوا على صفحات الفجر كلماتٍ تنطقُ بالرجوع..

 

هُم أسماء! رحلوا كغيْمٍ أَمْطَرَنا بالحُبِّ مخلّفا فينا زهره والذاكرة! غادروا أماكناً كانت بهم دافئة.. تناثرتْ -وقد اشتدَّت ريحُ الظلمِ- آثارُ خُطُواتِهِمْ.. ليبقى في داخلنا جَمْرُ صمودهم تُشعله الأسماء! ليحيوا بيننا رغما عنّا! ورغما عنّا.. كم حفرت في صدورنا الأسماء!

 

في المنفى لا مكان لكلماتك عن نفسك، ولا زمنَ لأُغنيات أُمِّك.. في المنفى أنتَ والصبرْ! أنتَ والذاكرة! أنتَ وغَضَبٌ يُدمي فَمَكَ بالصَّمْت.. في المنفى أنتَ وأنتْ! وأكاذيبٌ عَنْ سَلامٍ يُعيدُكَ إليك!

تشتَّتنا في كل مكان، لِكُلٍّ منّا حكاية، لِكُلٍّ منّا بيتٌ وجُدران.. لِكُلٍّ منّا تاريخٌ كَخُبْزِ المنفى.. كُلَّما تذوَّقته يَشُدُّكَ الحنينُ لِخُبْزِ أُمِّك! تفرّقنا! وتفرّق دمنا! كَسروا الأشجار الباسقة ورموها في الأراضي القاحلة، وتفتّتت هيبة الصمود حين احترق الراحلون بإثم تأجيل المعركة!

 

صرنا أجزاءً لحكاية لا أحد يريدها أن تكتمل، وصرنا أعمدةً لبيوت ليست لنا، وظلّاً لأُناس أَخَافَهُمْ ظلّهم! مِنَ الجُرح المفتوح للغبار.. مِنَ المُعتقلات المخبّأة على خرائط السلام.. َمِنَ الخريطة المذبوحة بضمائر رجال باعوا ضمائرهم! مِن حُمّى الجسد المسجون داخل كلمات الجلاّدين وفي مربعات الأخبار على صفحات الجرائدِ المسبيّة.. نحصل على تأشيرة الرحيل مِن منفى لآخر!..

 

في المنفى يا كفّي الذي تشبّث بالتراب حزنٌ وانكسار! في المنفى جُرحٌ وخَوْفٌ واحتضار! في المنفى لا مكان لكلماتك عن نفسك، ولا زمنَ لأُغنيات أُمِّك.. في المنفى أنتَ والصبرْ! أنتَ والذاكرة! أنتَ وغَضَبٌ يُدمي فَمَكَ بالصَّمْت.. في المنفى أنتَ وأنتْ! وأكاذيبٌ عَنْ سَلامٍ يُعيدُكَ إليك!

 

أَحِنُّ إليْكَ يا وَطَني! وشوقٌ يُفَتِّتُ فيّ ساعات العمر ويُبْكيني.. نسائِمُ العتقِ تتحرَّكُ مِن حولي وتُخْطِئُني، ولا يُخْطِئُني رَصاص عَدُوِّي حينَ يتصيَّدُني، ولا تُخْطِئُني مَلفَّاتُ الشَّكِّ في الموانئ المنفيَّة.. لأَجِدَني رَهْنَ الاعتقال! الغُرْبَةُ سِجْني.. والوَجْدُ قيد!

 

أشتاقُ إليْكَ يا وطني! للتربةِ السَّمراء، لدِفءِ المواقِدْ.. أشتاقُ للضحكة الصافية، ولمصافحة المَطَرْ! مُدّ يَدَكَ إليَّ، تحسّسْ بها رأسي علَّها تهبُني النوم! علّها ترتطمُ بصَمْتِ دَمْعي، فيتكسَّرُ فيّ الكلام! يا وطني.. لملم جِراحَنا وضمّنا إليك.. تكاثَرنا في الغُربَةِ ولم تنتظر الحياةُ أحداً! الحُلمُ انشقّ عن حُلم، ودون أن ندري حمّلنا صغارَنا الغضب!

 

تنتهي حكايات الأرض على صفحات الألم بِفَرَحٍ يُطِلُّ مِن عَيْنِ السَّماءْ.. وستضحَكُ في صفحاتِ وَطَنِنَا المَكْلومِ تفاصيلُ مُقَاومةٍ لم تنحني.. وستُطِلُّ علينا مِن بين غَمامِ العِزِّ تِلكَ الأسماءْ!

بردُ السُّجون أذاب منّا العظمَ لكنه لم يمسّ الذاكرة! لا نزال نستحضر عطر الراحلين على أجنحة الفداء مسكونين بالبشارة! لا نزال ننحني لصبر القابعين في عَتمة السجون ووحشة العزل.. يغزلون لنا بالصبر خيوط النهار! لا نزال نحتفظ بِبَهاء خريطةٍ تمتدُّ مِنَ المَّاءِ إلى المَّاء! لا نزال نملك أن نفكّ أُحجِيَّات أسمائنا وأغانينا.. مِنْ شهيدٍ لمقاومٍ! لأسير!

 

جَمَعَ الذين ضُربت عليهم الذلّة والمسكنة أنفسهم وشتّتونا، صنعوا لأنفسهم وهماً على رُفات آبائنا وقدّسوا فيه جنونهم! صنعوا لنا بكفِّ الذُلِّ تصاريحَ عُبورٍ تُقصينا عن أنفسنا! ابتلعوا الأرض واعتصموا بخيانة مَن خان نفسه وإخوانَه! حاربونا بالجوع وبالخوف! فتّتوا جمعنا بالرحيل! وأفرغوا بالقتل مضاربنا! وَبِتنا على طُرُقات المنفى صرعى! والكُلُّ بالانتظار الصَّبورِ يُطالبنا! يُوهِمونَ أنفسهم بأننا محطّة خسارتهم الأخيرة! وما عَرفوا بأنَّ جُرحنا أوَّلُ النزف.. وأوَّلُ التمزُّق، وأَوَّلُ النُذُر لتفرُّق العشيرة!

 

فَيَا مَنِ احتضن بَرْدَ الوطن ودثّرهُ بكتفين عاريين.. تَذَكَّرْ أنّ الحياةَ حلقاتٌ لا تنتهي بانتهائك.. هِيَ شُموسٌ تُلاحِقُ شُموساً ولا تَصِلْ! وليلٌ يُسابِقُ ليْلاً ولا يفوزْ! إنْ أنْكَرْتَ دُموعَكَ لن تتلذَّذَ بالبُكاءْ! وَإِنْ انطفأَتْ في يَدِكَ شُمُوعُكَ ليسَ غير اللهِ يأتيكَ بالضِّياءْ؟!

 

هي أسماءٌ جاءت لتبقى! تنتهي حكايات الأرض على صفحات الألم بِفَرَحٍ يُطِلُّ مِن عَيْنِ السَّماءْ.. وستضحَكُ في صفحاتِ وَطَنِنَا المَكْلومِ تفاصيلُ مُقَاومةٍ لم تنحني.. وستُطِلُّ علينا مِن بين غَمامِ العِزِّ تِلكَ الأسماءْ!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

سَلامًا أيُّها الوَطَنُ الذّبيحُ

مُهداة إلى الّذين يحاولون أنْ يتنفّسوا الحريّة في طوفانٍ من الدّماء وَيا بَرَدى (دِمَشْقُ) تَهُونُ؟! كَلاّ أَعَنْ وَجْهِي - لِغُرْبَتِها - تُشِيحُ حَوارِيْها الحَوَارِيُّونَ فِيها تُعانِي ما يُعانِيهِ المَسِيحُ غَدًا سَتَقُومُ لا عَجْزًا تراخَتْ

969
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة