عفاف فتحي
عفاف فتحي
1.5 k

ارحموا رمضان من برامجكم!

21/4/2017

اقترب رمضان ولم يعد يفصلنا عنه سوى أيام معدودات.. فرح في الأرض والسماء وفي قلوب التواقين لرحمة الله، فرصة لنهدأ ونطمئن ونرتقي، وتربية للنفس على التكافل والتراحم وكل مشاعر الخير وأحاسيس النبل.. أيام قليلة وتبدأ صلاة التراويح، لتغمرنا نفحات الرحمة ونسائم المغفرة. ووعيا منها بكل هذه المعاني الإيمانية، تُطِلُّ علينا قنواتنا الفضائية بجدول مغرٍ، ولا في الأحلام.. برامج ومسلسلات من كل حدب وصوب، تَأْتينا كل سنة وهي زاخرة بأطنان من التَّفاهات، ويا ليتها لم تأت!

صباح مساء وعلى مدار الأسبوع، برمجة مختلفة الألوان والأشكال، تجعلك ممددا طيلة اليوم أمام التلفاز، شغلك الشاغل أن تكشف من قتل من؟ من أحب من؟ من تزوج من.. لقد فكروا واشتغلوا طيلة أحد عشر شهرا، لِيُؤَمِّنُوا لنا كل الرفاهية السمعية والبصرية من داخل بيوتنا.. يسْعون لراحتنا النفسية ونحن صيام، أقول لهم: لا شغل الله لكم بالا.. نحن بخير، ما دمنا لا نتابع قنواتكم!

تبدأ الحملة الإعلامية أياما قبل استقبال شهر رمضان: انتظرونا.. حصرياً على شاشتكم.. نجم الجيل الصاعد كما لم تروه من قبل.. لأول مرة على قناة.. بعد غياب طويل، فاتنة الشاشة تطل عليكم.. والكثير الكثير من الإعلانات التي تسم الأبدان من فظاعتها.


وما إن نتمكن من رؤية الهلال، حتى تنطلق عاصفة البرمجة الرمضانية؛ مسلسل تلو الآخر.. فهذا تدور أحداثه في إطار كوميدي ساخر، وذاك عبارة عن دراما اجتماعية مليئة بالمشاعر الجياشة، يختلط فيها الحب بالوفاء، فنحن شعوب لا تعرف معنى الأحاسيس إلا على شاشة التلفاز، والآخر مقتبس من الرواية الأكثر مبيعا في العالم العربي، وهذا مسلسل أكشن وتشويق داخل كواليس الجريمة والمحاكم، وتلك الإعادة الألف لمسرحية، توفي نصف ممثليها والنصف الآخر قابع بين جدران المستشفيات، وهذا أيضا مسلسل بدون سيناريو لكنهم أدرجوه، كيف لا وميزانيته تتعدى تلك المخصصة لقطاع بأكمله! دون أن ننسى برنامجا دينيا أو اثنين على الأكثر، للتكفير عن ذنوب الممثلين، السَّابِقِ ارتكابها .

أخبروا المسؤولين عن هذه القنوات، أننا نستشيط غضبا طيلة السنة، فلا داعي أن يطوروا مستوى الرداءة والمُيوعة في رمضان، التمسوا منهم الحفاظ على ما بقي من صحتنا النفسية، فلقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى

والأهم من ذلك كله، دقائق الكاميرا الخفية التي تحاول إيقاع "شخصية مشهورة "في الفخ لاستفزازها، كأنه لا تكفينا المتفجرات والحروب والوحوش التي تتجول على أراضينا، حتى تفيض النعم، ونصنعها نحن بأنفسنا، إخافة للناس أو بالأحرى ضحكاً على ذقون المشاهدين! بالله عليكم، من صاحب هذه الأفكار؟ كيف تطاوعهم أنفسهم تصوير أعمال مبتذلة، تستهزئ بوعي وذوق المتابعين، ولا تُوَلِّد ٌإلا مزيدا من الاجترار! 

أخبروا المسؤولين عن هذه القنوات، أننا نستشيط غضبا طيلة السنة، فلا داعي أن يطوروا مستوى الرداءة والمُيوعة في رمضان، التمسوا منهم الحفاظ على ما بقي من صحتنا النفسية، فلقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبى.. وبالمناسبة، ذَكروهم أن برامجهم تلك، لا تمت للترفيه عن النفس أو خفة الدم بصلة.


أتساءل دائما عن سر ربط وقت الإفطار بالحاجة إلى الضحك والفكاهة، من وضع هذه القوانين؟ كأن َّرمضان عبء ثقيل على كاهلنا، تنتظر النفس طرحه كما تطرح القافلة أعباءها، وهذا "الترفيه" ما هو إلا وسيلة لمساعدتنا على تحمل انقضاء الشهر الكريم؛ فكلما أمضينا وقتا أطول ونحن نتابع التلفاز، إلا ومرت أيامه بسرعة.

أَوَلَسْنَا نصوم إيمانا واحتسابا؟ أَوَلَسْنَا ننتظر بشوق تلك الدعوة التي لا ترد؟ فكيف لعمل، يقول عنه الله عز وجل في حديث قدسي:" كل عمل ابن أدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به"، أن يكون هما وغما على قلوبنا!

لا أنكر أن بعض البرامج ذات محتوى تثقيفي وتربوي غني، ولكن لماذا يتم بثها فقط في هذه الأيام المباركة؟ تغيب طيلة السنة لتظهر وهلال أول الشهر.

ورغم كل الانتقادات التي تطال هذه "المنوعات"، فنِسَبُ المشاهدة الاستثنائية غالبا ما تصدمك.. صدمة لا يوازيها سوى تلك التي تعقب اطلاعك على ميزانية بعض المسلسلات.. مبالغ طائلة، تُجْمع من ضرائب، لا زالت تَنخر جيوب المواطن البسيط. لعل هذه النسب المرتفعة راجعة إلى صعوبة قطع الصلة بعادات وممارسات، ليست سوى توسيعا للهوة بيننا وبين الفهم الصحيح للدين، في زمن أصبح فيه التغيير مقتصرا على وضع صورة على الفايسبوك أو كتابة تغريدة على التويتر..

رمضان معان إيمانية لا محطات تلفزيونية.  شهر الإخلاص والجد والعمل، فتح صفحة جديدة مع الله وإعداد النفس على تقواه طيلة السنة

وأنا أخط هذه السطور، حضرتني قصة، كنت قد قرأتها على صفحة أحد المنتديات، لشابة تحكي عن عادة "غريبة" يقوم بها والدها مع رؤية هلال رمضان. إذ كان يطفئ جهاز التلفاز، مُوهِما أطفاله الصغار، أن بث القنوات يتوقف طيلة هذا الشهر، ذلك لأن الناس يسعون قدر المستطاع للاستفادة من أيامه وبالتالي فلا داعي لإذاعتهم برامج لن يتابعها أحد.


تقول صاحبة القصة، أنه بعد مرور سنوات، ورغم اكتشافهم "كذبة " والدهم، إلا أنهم دأبوا على تطبيق عادته، فرمضان ارتبط بالنسبة لهم، بمعان إيمانية لا بمحطات تلفزيونية.


عرفوا أنه شهر الإخلاص والجد والعمل، فتح صفحة جديدة مع الله وإعداد النفس على تقواه طيلة السنة. أيقنوا أن يوم عيد الفطر، هو يوم الجوائز، كل منا يثاب بقدر اجتهاده وإتقانه للصيام والقيام، لا بعدد المسلسلات التي تابع. آمنوا أنها فرصة قد لا تعاد، فَكُثر من كانوا معنا السنة الماضية، هم الآن بين أحضان التراب..

فمرحبا بك رمضان، ولا أهلا ببرامجكم التافهة!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

سَلامًا أيُّها الوَطَنُ الذّبيحُ

مُهداة إلى الّذين يحاولون أنْ يتنفّسوا الحريّة في طوفانٍ من الدّماء وَيا بَرَدى (دِمَشْقُ) تَهُونُ؟! كَلاّ أَعَنْ وَجْهِي - لِغُرْبَتِها - تُشِيحُ حَوارِيْها الحَوَارِيُّونَ فِيها تُعانِي ما يُعانِيهِ المَسِيحُ غَدًا سَتَقُومُ لا عَجْزًا تراخَتْ

966
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة