عبد الحليم عباس
عبد الحليم عباس
492

الوعي والوجود (3)

21/4/2017

(1)
من المؤكد أننا لم نفعل أي شيء لكي نأتي إلى الوجود، ما يجعل وجودنا منذ البداية يبدو كهبة مجانية. ولكن هبة لمن؟ فلكي يكون وجودنا هبةً لنا من الخالق، أو من الطبيعة بالنسبة لأولئك الذين لا يعتقدون بالخالق أو لا يضعون مسافة فاصلة بينه وبين الطبيعة، يجب أن يكون هناك من يتلقى هذه الهبة. إذن كلمة "هبة" لا تصلح لوصف الطريقة التي جئنا بها إلى الوجود، بل حتى كلمة "جئنا" نفسها لا تصلح لوصف وجودنا، لأنها تدل على أن هناك مكان ما جئنا منه.

ماذا بقي من فكرة "أننا جئنا إلى الوجود"؟ بقيت كلمة الوجود! ولكن هذه الكلمة نفسها بما أنها جزء من وعينا، أي بما أنها جزءٌ منّا "ومن وجودنا"، فهي لا يمكنها أن تقول شيئا عنّا ولا حتى عن نفسها من الخارج. إن وجودنا يبدو عصيّا على اللغة والكلمات، لأن اللغة ليست شيئا مستقلا، ليست شيئا يقف خارج الوجود الإنساني لكي يصفه.

هذا يعني أن الوجود حالة داخلية، وليست خارجية. بعبارة أُخرى، إن الوجود كمفهوم وكتحقُّق واقعي لا يحدد الإنسان من الخارج. أو هو ليس أمرا ينطبق على الإنسان، بل هو حالة داخلية في الإنسان. فوجود الإنسان ينتمي إلى الإنسان، وليس العكس. إنه فكرة وحالة داخلية. لقد عبَّر ديكارت عن هذا حينما قال "أفكِّر، إذن أنا موجود"، ولكنه بدلاً من أن يدرك الوجود كفكرة في الأنا، أدرك العكس: الأنا كشيء في الوجود. إذ إنه اعتبر أن هناك وجودا خارج الأنا يشملها ويستوعبها، في حين أن العكس هو الصحيح. وبالطبع إن هذه "الأنا" نفسها فكرة.

إننا لم نشتر وجودنا ولا حياتنا، مهما كانت القيمة التي نمنحها لوجودنا ولحياتنا، أو التي نشعر بها. ما معنى هذا الكلام؟ معناه أننا لا يُمكن أن نكون خاسرين، مهما كانت حياتنا قصيرة تتخللها المآسي والمعاناة.

الأنا فكرة في ماذا؟ من الأفضل أن نقول إنها فكرة في الفكر أو في الوعي. ثم نتوقف عن البحث والسؤال أين يُوجد الوعي. لأن هذا السؤال لا يملك أي سلطة أو مشروعية أنطولوجية أعلى من الوعي نفسه، لأنه جزءٌ لا يتجزأ من هذا الوعي. إن الأسئلة دائما تطرح نفسها كما لو كان على الأشياء أن تبرر نفسها، وكأنها ستكون بلا مشروعية وجودية لو بقيت عصيّة على الفهم والتفسير. إن مشكلة التفسير هي مشكلة تخصّ العقل الذي يطرح السؤال، وليست مشكلة الأشياء.

فليس هناك ما يفرض على الأشياء أن تبرر نفسها للعقل. ولذلك فإن السؤال أين يوجد الوعي لا يزعزع الوعي ولا يضعه أمام "محكمة العقل" كمتهم. العقل يمارس سلطته في مجال آخر، هو مجال المعرفة. أما الوعي فهو شرط سابق لوجود العقل نفسه. أي أن الأشياء حينما تُطرح كمعارف قد تكون تحت سُلطة العقل، ولكنها سُلطة على المعرفة، لا على الأشياء ذاتها. ولا ننسى أن العقل نفسه فكرة ومعرفة. وإذا أعدنا السؤال مرة أخرى بالنسبة للعقل، هو فكرة في ماذا ومعرفة بالنسبة لماذا، فليس هناك إجابة سوى الوعي.

(2)
بالعودة لمسألة الوجود، فإن ما يبدو لنا كهبة وكمنحة مجانية هو الحالة الداخلية التي نشعر بها عندما نفكِّر أننا "موجودون". أضع هذه الكلمة بين مزدوجتين لأن هذه الكلمات لا تعبِّر بالضبط عن المعنى المقصود. إن المجاز هو العلاقة الأساسية بين اللغة والأفكار واللغة والواقع، وما يوصف بأنه "حقيقة" هو أيضا يُسمى بالحقيقة على سبيل المجاز بوعي أو بغير وعي. ولذلك نقول نحن موجودون، ونشعر كأن هذه الكلمات تصف "وجودنا" من الخارج. أو بتعبير مجازي آخر، نشعر وكأن الله هو الذي يقول ذلك، باعتبار أن الله خارج الوجود والإنسان. 


ولكننا حتى عندما نتخيّل المنظور الإلهي للأشياء، فإننا نفعل ذلك من داخل المنظور الإنساني نفسه، في عملية أشبه بتركيب الدوال في الرياضيات composition of functions"". أي أننا إذا حاولنا النظر من منظور الله فإننا سنحصل على منظور إنساني مركَّب ومضاعف، أي منظور "إنساني جدا". بالنسبة لمن لم يدرسوا الرياضيات أو لا يحبونها، فلهم أن يتخيلوا الأمر كالنظر من خلال نظارتين بدلا من نظارة واحدة، إن ذلك لا يؤدي بالضرورة إلى تحسين الرؤية، بل قد يؤدي إلى طمسها تماما.

ولكننا لا نملك غير الكلمات للتعبير عما نريد قوله. والتي لا يبدو أن أسلافنا من البشر قد طوروها لكي تعبِّر بدقة عما سيفكِّر فيه ويشعر به الناس الذين سيولدون في المستقبل. وحتى إذا اعتبرنا أن هُناك حاجات غير مادية ساهمت في إنشاء اللُّغة، فإن هذه الحاجات تظل حاجات خاصة بأصحابها وواقعهم وتاريخهم، ولا تعبِّر بالضرورة عمّن سيأتون في المستقبل، مثلنا نحن الذين نفكِّر الآن بواسطة لغة سابقة لوجودنا، ولا نعرف تاريخها الحقيقي. الأشكال الأُخرى للُّغة كالفن والموسيقى لا تعمل على توصيل الأفكار بقدر ما تعبِّر عن الانفعال، إنها تنتمي إلى مجال الجمال بأكثر من انتمائها إلى مجال المعرفة.

هل كان يُمكن ألا يمتلك الوعي إمكانية التفكير في الممكن؟ غنيٌ عن القول إنه ليس الغرض من هذا السؤال التعقيد من أجل التعقيد، إنه سؤالٌ مركب و لكنه حقيقي وله معنى.

وبما أننا لا نملك غير الكلمات، فلا يسعنا إلا أن نقول بواسطتها أننا موجودون، وأننا نشعر - كما يقول محمود درويش- بأننا كان يُمكن ألا نكون. كما نشعر بأننا سنختفي يوما ما، من هذا الوجود أو على الأقل من هذا العالم. وأنه منذ البداية لم تكن هناك ضرورة أو حتمية لوجودنا، سواءٌ أكانت كلمة وجود تصفنا من الخارج، أو كانت انفعالا داخليا كما أدعي هنا.

إننا لم نشتر وجودنا ولا حياتنا، مهما كانت القيمة التي نمنحها لوجودنا ولحياتنا، أو التي نشعر بها. ما معنى هذا الكلام؟ معناه أننا لا يُمكن أن نكون خاسرين، مهما كانت حياتنا قصيرة تتخللها المآسي والمعاناة. فحتى لو جئنا إلى هذا العالم لتناول كوبا من الشاي ثم ذهبنا، فإننا لم نخسر شيئا، لأننا منذ البداية لا نملك شيئا حتى نخسره. 

(3)
من ضمن الأشياء الكثيرة التي اخترعها أو امتلكها الوعي البشري بطريقة ما، هُناك مفهوم "المُمكن"، والذي نفكِّر ونقول بواسطته كان يمكن ألا نكون. هذا المفهوم الذي يشعرنا بأننا عبارة عن هبة لا لأحد، وإنما هبة وحسب، هو نفسه الذي يجعلنا نفكِّر ونمارس أشكال التقييم المختلفة لوجودنا وحياتنا، إذ نقول مثلاً لقد كان بالإمكان دائما أفضل مما كان، وأن وجودنا والعالم نفسه كان يُمكن أن يكون أفضل مما هو عليه. إن ما يخسره الإنسان يُوجد دائما بفضل هذا المفهوم.

إننا نمارس التقييم والحكم على حياتنا 
ووجودنا بواسطته. من هنا يُمكن أن نشعر بدلا من الامتنان والدهشة لوجودنا، بعدم الرضا والبؤس. ولكن من الذي يقول بأن عدم الرضا والشعور بالبؤس هو دائما أمرٌ سلبي وغير مرغوب فيه! فأحيانا يكون من المفيد ومن الضروري أن نشعر بعدم الرضا وحتى بالبؤس والتعاسة وكافة أشكال الشعور الذي يهرب منه الإنسان عادة، وذلك لسبب واضح هو أننا إذا لم نتملك الحساسية الواقعية تجاه ما هو محيط بنا أو ما نحن فيه فإننا نفقد وجودنا نفسه. يبدو أن هذه هي القوة الأساسية المحركة للحياة، حتى إن لم تتم ترجمتها والتعبير عنها بكلمات. 

نحن الذين نملك الوعي بالممكن، ونملك الإرادة والقدرة على التفكير، لا نحقق هذه الإمكانات في الفراغ، بل نحن جزء نسيج واسع وقد يكون لا نهائي، هو الذي يجعل الإمكان كمفهوم في الوعي متجسدا في الواقع.

هل كان يُمكن ألا يمتلك الوعي إمكانية التفكير في الممكن؟ غنيٌ عن القول إنه ليس الغرض من هذا السؤال التعقيد من أجل التعقيد، إنه سؤالٌ مركب ولكنه حقيقي و له معنى. الإجابة التي أقول بها هي نعم، والتي قد تبدو بديهية الى حد بعيد. إن هذا يعني أن الممكن كان يُمكن ألا يوجد كمفهوم في الوعي، حينها لن نشعر بأنه كان يُمكن ألا نكون، ولن يكتب محمود درويش قصيدته الرائعة "لاعب النرد".

ولكن عدم امتلاك مفهوم الإمكان كفكرة، لا ينفي تحققه في الواقع. أكبر دليل على ذلك هو الحياة، حياة الإنسان والحيوان والنبات. لقد عبّر هيجل -كما تناوله هربرت ماركيوز في كتاب "العقل والثورة" -عن فكرة الإمكان بالنسبة للبذرة، وكيف تنتقل عبر المراحل المختلفة في النمو، من بذرة الى نبات أو شجرة، وكيف تحمل البذرة في داخلها إمكان الشجرة. إنها كذلك على الرغم من أنها لا تملك الوعي ولا تملك مفهوم الإمكان، على الأقل الوعي كما نفهمه.

يُمكن ملاحظة أن البذرة لا تصبح شجرة في الفراغ، فهي بحاجة إلى التربة والماء والهواء والشمس، وهذا يعني أن الإمكان ليس شيئا داخليا وذاتيا فقط، إنه دائما يتوقف على شروط قد تكون واسعة باتساع الكون نفسه.

وكذلك نحن الذين نملك الوعي بالممكن، ونملك- على الأقل كما يبدو لنا- الإرادة والقدرة على التفكير، لا نحقق هذه الإمكانات في الفراغ، بل نحن جزء من نسيج واسع وقد يكون لا نهائي، هو الذي يجعل الإمكان كمفهوم في الوعي متجسدا في الواقع، أو بتعبير أكثر دقة هو الذي يجعل الإمكان كتحقُق واقعي ينعكس في الوعي أو عليه، كفكرة وكمعرفة.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة