رحمة بوسحابة
رحمة بوسحابة
559

تاء التأنيث والفطرة الجريحة

21/4/2017

هدأ المدرج بعد دقائق من الضجيج المعتاد قبيل الامتحان، وزعت الأوراق وساد صمت مُطبق، كان الطلبة متلهفين لمعرفة الأسئلة وكانت مهمتي مجرد مراقبتهم وهم يمتحنون. التقطت ورقة الامتحان لأطلع عليها فضولا فلفتتني صيغة المطالِب المزدوجة فيها بقوة اذكر اذكري حلل حللي ناقش ناقشي، بدا لي الأمر غريبا للوهلة الأولى في قسم اللغة والأدب العربي رغم أني لاحظت حضوره عند بعض الأستاذات في أقسام اللغات الأجنبيّة.
 
حضرت الأستاذة صاحبة الامتحان بعد قليل لتتفقد الممتحنين، كانت حاملا في شهرها الأخير، تساءلت وأنا أتابع خطواتها المتثاقلة وهي تجول بين الصفوف في ثقة وانتشاء خفيّ بانتصارها على الخطاب الذكوري على ورقة الامتحان، هل تُدرك هذه السيدة فعلا أبعاد تجنيسها لخطاب الامتحان؟ أم أنها كغيرها من مستهلكي المقولات والأفكار تنقل دون تحر وفلترة؟ وهل تدرك أن تجنيس الامتحان نفسه ينتج عنه بالضرورة تجنيس الإجابة وتجنيس تصحيحها؟ وهو أمر لست متأكدة تماما أنها ستطيق معه صبرا وإدراكا.

فامتحان في اللغة وقواعدها وميزان صرفها لا يستدعي أكثر من مخاطبة الإنسان بما هو محض إنسان ذكراً كان أم أنثى، تماما كما هو الخطاب القرآني المرجعية الأصلية لتخصصها في توجهه نحو الإنسان جوهرا واحدا يرد فيه التأنيث استثناءا عند حد التَّكليف بقرينة لغوية تخص المرأة لاختلاف طبيعتها البيولوجية وتكوينها النفسي عن الرجل فحسب في تصور كلي يجمعهما ويكمل بينهما ولا يفرق أمّا نزعة التأنيث بصيغتها الحرفية المباشرة التي تسربها الأستاذة في أذهان طلبتها فإنها تفصل بين وجهي هذا الجوهر الإنساني الواحد و تقذف بالرجل والمرأة كل إلى جزيرة منفصلة عن الآخر.

شقّت الفيمنزم اتجاهها هذا في النظر لقضايا المرأة انطلاقا من نظرية الحقوق الجديدة المنبثقة عن توجه الأمم المتحدة نحو الاهتمام بحقوق الإنسان ومن بينها حقوق المرأة

وقد يكون التبس عند الأستاذة التي بدأت تشق طريقها في النضال النسوي عبر التمرد على اللغة الذكورية مفهوم الفيمنزم مع مفهوم تحرير المرأة، ولا أظن الأمر إلا كذلك، فهي امرأة حققت ذاتها بشكل متكامل زوجة وأما وامرأة عاملة ومتعلمة وليست بحاجة إلى الدخول في تعقيدات الجنوسة ومتتالية الفيمنزم الماضية نحو هدم المؤسسات الاجتماعية التقليدية، وأنَّ أقصى ما قد تطالب به لو أتيحت لها فرصة التعبير بعيدا عن جدل التأنيث والتذكير هذا هو المطالبة بمنح المرأة حقوقها المدنية والاجتماعية لكن في إطار مفهوم المواطنة بما هي الإطار القانوني، الذي يحدد حقوق وواجبات انتماء الفرد للمجتمع أي أنها لن تنكر بأي حال القيم الاجتماعية والتقليدية التي أسست في إطارها حياة اجتماعية وعملية وعلمية وِفق التواضعات الاجتماعية التي تنتمي إليها وهي بذلك ليست معنية بنضال الفمنيست والفيمنزم رغم أنها تورطت كغيرها كثير من مثقفات ومتعلمات مجتمعنا في ترديد بعض مقولاتها.

وتنطلق الفيمنزم في صيغتها الحاليّة من نقد مفهوم المواطنة الذي يقوم بحسبها على أساس المواطن الذكر دون الأنثى رغم أن التعامل مع الرجل في أدبيات المواطنة هو باعتباره مفهوما محايدا ينطبق على النساء والرجال معا، ونقد فكرة التعاقد الاجتماعي الذي ارتبط بنشأة الدولة الحديثة التي تدعي بحسبها أنّ الأفراد نساءا ورجالا أحرار ومتساوون في حين أنّها في الواقع تمنح الرّجل حقّ التحكم والسيطرة على المرأة عبر إبرام العقود خاصة عقود الزواج.

وقد شقّت الفيمنزم اتجاهها هذا في النظر لقضايا المرأة انطلاقا من نظرية الحقوق الجديدة المنبثقة عن توجه الأمم المتحدة نحو الاهتمام بحقوق الإنسان ومن بينها حقوق المرأة والتي وجدت لها إطارا معرفيا حاضنا ودافعا في موجة ما بعد الحداثة التي وفرت لها جملة من الآليات لتقويض القيم الاجتماعية التقليدية.

وبناءا على ذلك كان هجوم الفيمينزم على صيغة السّرد في تاريخ الحضارة البشرية واللغة الذكورية المستخدمة في هذا السّرد، فطرحت برنامجا خاصّا لإعادة السرد والاجتماع والتاريخ من وجهة نظر أنثويّة، وهو ما تجسّد بشكل رسمي في مؤتمر المرأة ببكين عام 1995م والذي كان شعاره إعادة صياغة المجتمع عن طريق رؤية العالم من خلال عيون النساء، وذلك من خلال الدعوة إلى إعادة بناء اللغات التي تعتمد التذكير والتأنيث باستخدام صيغ محايدة مثل استخدام (human being person) في الكلمات التي تحتوي صيغة الرجل، أو إضافة الصيغ الأنثوية لبعض الكلمات المذكّرة مثل تحويل التاريخ (history) الذي يعني (his story) قصته أي قصة الرجل إلى (hersoty) قصتها أي قصة المرأة وهكذا مع بقية مفردات اللغة.
 
وعلى الرغم مما تظهره هذه الرؤية الفيمينزمية من دعوة لتمكين المرأة ومساواتها مع الرجل إلا أنها تستبطن في التداول مفاهيم وقيم مغايرة حد التعارض، فالمساواة في حقيقتها هي دعوة للتماثل بين الجنسين على استحالتها والتمكين (Empowerment Of Women) ليس سوى محاولة لتسييد المرأة وتحقيق سيطرتها وما ينتج عن ذلك من تكريس للانفصال بين الرجل والمرأة والذي يبلغ مداه عند مرحلة التشكيك في مفهوم المرأة نفسه واعتبار أن الرؤية الثنائية للجنس ذكرا وأنثى تشكّل تضييقاً عليها وصولا إلى التمركز حول الجنس الواحد وما ينتج عنه من علاقات قد تكون اضطرارية أو ما يسمى في حقل علم النفس بالمثلية أو السلوك المثلي، واعتباره شكلا طبيعيا من العلاقات الانسانية يندرج ضمن الحريّة الفرديّة للإنسان.

وباستكمال هذه المحاور: التمكين، المساواة، المثليّة، التي تقوم عليها الفيمنزم وخاصة محور المثلية الجنسية الأكثر حضوراً عند هذا التيار، ستتوارى فكرة المعيار والقيم الاجتماعية وتحل محلها سلوكيات جديدة متحررة من التعاقد الاجتماعي التقليدي القائم على العمارة وحسن الاستخلاف وحفظ النوع الإنساني الذي سيفنى لا محالة في حال اعتماد هذه التصورات المشوّهة للعلاقات الإنسانية وفق تصورات الفيمينيزم، وذلك بمنافاته بل ومهاجمتها لمفهوم محوري في الاجتماع الإنساني السوي، وهو الفطرة ليس بمفهومها التقليدي في التصور الديني أي دين التوحيد فحسب بل بما هي الملكة الحافظة للقيم والمعاني التي بُثت في الإنسان يوم الإشهاد ويوم عرض الأمانة بتعبير طه عبد الرحمن فهي ضمير الإنسان الذي يحقق له سلامه الداخلي والسَّلام مع العالم والطبيعة ويضمن بقاء نوعه وفق المنظور المقاصدي للشريعة الذي يحفظها أي الفطرة، ومن ثمّة يحفظ الاجتماع الإنساني من المآلات العبثية التي تهدده وتهدد الأجيال القادمة في فوضى القيم هذه.

وقد لا يولي كثيرٌ منا أهمية للموضوع تماما كما لم يأبه الطلبة لمحاولة الأستاذة لفتهم لصيغ التذكير والتأنيث في خطاب الامتحان باعتبار أن نشأته وتطوره يتمَّان في مجال تداولي مغاير لا يؤمن حتى أكثر أهله بمقولات الفيمينزم؛ إلا أن الأمر سيختلف حتماً حين تصطدم بحالة من التلبس الفعلي بالفيمنزم في محيطك تلوك مقولاتها وتبرر توجهها المثلي وتعتبره حقا من حقوقها واختلافا أنت مجبر على تقبله باسم الاختلاف والتنوير؛ حتى لو خالف قناعاتك وهدد وجودك البشري على هذه البسيطة حين ذاك فقط ستسمع صوت الفطرة الجريحة يئن وسط هذا العبث يذكر الانسان الخليفة المؤتمن بقوله عز وجل "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ"

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة