محمد خضر
محمد خضر
488

قبضة من تراب فلسطين

21/4/2017

نحنُ من لم نعرف الوطن يوماً، ولم تطأ أقدامنا ترابَهُ، ولا سرحَت أعيننا بين نجوم لياليه. حالنا كالطفل الذي تغيّب والده قبل ولادته ولم يرهُ بعدُ إلا في الصّور، وبعينِ السمع من حكايات أمّه عن والده التي ترويها له كل ليلةٍ عندَ النوم.

 

وعلى الرغم من كوننا نحمل جوازاتٍ ووثائق سفر من دول عربية أو أجنبية، ورغم تنوع لهجاتنا، وجمال ذكرياتنا في مدنٍ غير مدن أجدادنا؛ ما لبثت أن سكنت فينا واستوطنتنا كما سكنّاها، ولكننا لا زلنا حتى اليوم فلسطينيين كضرورة حتمية للحفاظ على إنسانيتنا.

 

وقد يدّعي البشر انتماءً لمدينة وُلدوا فيها، أو لأرضٍ شبّوا عليها، أو لأناس يعيشون بينهم حتى تماهوا معهم، أو لبلدٍ هاجروا إليها فاحتضنت أحلامهم ورعت أفكارهم، ولستُ أُنكرُ ذلك عليهم، فكل ما عاشوه لا يمكن إلا أن يُشَكِّلَ لهم الوطن الذي أرادوا. إلا أن الفلسطيني المُهَجَّر لا يمكنه أن يتجاهل انتماءه لتلك الأرض المقدسة التي لم يطأ ثراها، ولأولئك الناس الذين قد لا يكون عاش بينهم.

 

تخلّي الفلسطيني عن انتمائه ما هو إلا تخلٍّ عن حقّه وحقّ شعبٍ بأكمله، ونصرةً لقومٍ استباحوا ما لم يملكوا، وقتلوا بغير حقٍّ من لم يذنبوا، فقتلوا أول ما قتلوا إنسانيتهم، فيكون بذلك هو مثلُهم

ولست هنا أدَّعي أنّ كلّ من يريد أن ينتمي لغير ماضيه وماضي أجداده يتخلى عن إنسانيته بالضرورة، ولكنني أزعم ذلك عن الفلسطيني. فالفلسطينيون لم يغادروا ديارهم، فُرادى أو جماعات، مندفعين من قرارتِهم الشخصية أو بُغية الهجرة للدوافع التي يعرفها البشر. بل إننا هنا نتحدث عن عملية تهجير مستهدف، وتطهير عرقي وديني دفعت شعباً بأكمله ليَهْجُرَ وطنه ويضيعَ في شتات المخيّمات ودول اللجوء.

 

وعلى الرغم من أن الفلسطيني هو الضحية الأولى، وهو الذي يعاني ما يعانيه بسبب ذنبٍ لم يقترفه، إلا أنَّ إنسانيته -التي لا قد يعيرُ لها العالمُ اعتباراً- مرهونةٌ بإصراره على انتمائه لأرضه. فإن تخليه عن انتمائه ما هو إلا تخلٍّ عن حقّه وحقّ شعبٍ بأكمله، ونصرةً لقومٍ استباحوا ما لم يملكوا، وقتلوا بغير حقٍّ من لم يذنبوا، فقتلوا أول ما قتلوا إنسانيتهم، فيكون بذلك هو مثلُهم، راضياً عن فعلهم، محققاً غايَتَهم.

 

فكلُّ فلسطينيٍّ يولد وفي يده قبضةٌ من تراب الوطن، وهو مخيّر؛ فإمّا تخلى عنها ورماها في عرض المحيط، فيتخلى بذلك عن إنسانيته، وإمّا رعاها لتُزهر فيها وردةٌ يغرسُها أو أولادُه من بعده في أرض أبيه أو جدِّه هنالك بين أشجار الزيتون والليمون.

 

ولأن عدالة القضية لم تكن يوماً سبباً كافياً لنصرتها، فإنه وقبل كلٍّ شيءٍ لا بد من الحفاظ على جوهرها، وإعلاء صوت المنادي لأجلها، وليس أولى بفعل ذلك من الفلسطيني نفسه. فعلى الرغم من أنها تفرض بعدالتها أن تكون قضية كل إنسانٍ لا يزال حيَّاً، ولكنّه إن لم ينادي صاحبُ الحقِّ بحقه، ويجتهد ليسترده، فليس له أن يلوم غيره. فكيف بنا إن كنا نتحدث عن حق شعب بأكمله، بل عن حق الإنسانية جمعاء؟ فإن أمسكت بقبضة التراب تلك، فإياكَ وأن ترمِها!

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

سَلامًا أيُّها الوَطَنُ الذّبيحُ

مُهداة إلى الّذين يحاولون أنْ يتنفّسوا الحريّة في طوفانٍ من الدّماء وَيا بَرَدى (دِمَشْقُ) تَهُونُ؟! كَلاّ أَعَنْ وَجْهِي - لِغُرْبَتِها - تُشِيحُ حَوارِيْها الحَوَارِيُّونَ فِيها تُعانِي ما يُعانِيهِ المَسِيحُ غَدًا سَتَقُومُ لا عَجْزًا تراخَتْ

966
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة