جريمة الفرحة!

24/4/2017

شعبٌ تافه يفرح ويهلل من أجل الكرة ولا يلتفت لما يعانيه، يسكت عن الجوع والفقر والغلاء ويصيح من أجل الكرة، يخضع للقرارات المجحفة ويرتعد لفرصة ضائعة، يبكي لهدفٍ ضائع ويضحك لجثةٍ متفحمة! والله لا أُنكِرُ بهجةً على شعبٍ ينسى همومه الهائلة في تسعين دقيقة يغيب فيها عن ما يعانيه، يعيش اللحظة بكل ما فيها، يقدس الفرحة والبهجة، يبحث عنها كمن يبحث عن إبرةٍ في كومة قش إن صح التعبير.

فليفرح بكل ما أوتي من قهرٍ وإذلال، كاللاجئ الذي فقد أهله، يعيش فرحه أضعاف أضعاف حزنه، ينسى ومن كشعبي ينسى، ينسى القتل والأسر والكذب والخداع، ينسى الجوع والفقر، ينسى ظلم الحكام، يحن إلى الماضي رغم أنه هو نفسه الذي استبدله بحاضره الخرب، كل هذا الحب المتأجج داخلنا لمباره كان متأججًا في الخامس والعشرين من يناير وما تلاها من أحداثٍ تطلبت منا وقفةً من أجل هذا الوطن.

أنا هنا لأقول بأننا نعشق تراب هذه الأرض أكثر ممن يمسكون بزمامها، محجوبين عن أبصارنا، لا نراهم إلا خلف الشاشات وفي الإطارات المعلقة على حوائط المؤسسات

حبنا لبلادنا ليس جديدًا علينا، ليس وليد اللحظة لعودتنا إلى بطولةٍ غبنا عنها ردحًا من الزمن ولا لصعوبة مباره تفوقنا فيها بلا سبب، هذه الفرحة ليست للقيادة السياسية التي ستكون في مقدمة صفحات الجرائد والإذاعة والتلفاز راعية الرياضة والرياضيين في مصر!، وبعيدًا عن قول بعض السذج بأن هذا لطفٌ من الله بهذا الشعب المسكين، فيهبه الفرح في عمق المحن، ويمنحه السعادة في أمواج الشقاء!

ليس الأمر متعلقًا بهذا فنحنا لسنا دراويشًا لنصدق هذا، فليست الكرة سنة نبيٍ ولا آيةً في القرآن الكريم كي يمنحنا الله الفرحة من أجلها، هذه رياضة كغيرها، وما جعلها مميزةً عن غيرها أنها أصبحت متنفسنا الوحيد، ومبرر تجمعنا في الشوارع بشكلٍ لا يعاقب عليه القانون، ولا يزعج السادة في القصور.

لست هنا لأكتب أسباب الفرح، ولا لأسرد تفاصيله، أنا هنا لأقول بأننا نعشق تراب هذه الأرض أكثر ممن يمسكون بزمامها، محجوبين عن أبصارنا، لا نراهم إلا خلف الشاشات وفي الإطارات المعلقة على حوائط المؤسسات، نحن نحب هذه الأرض ونموت دون ذلك، في حين أنكم تعشقون الحياة ولو على ركامه، تحيطون أنفسكم بالحراس وتأكلون وتشربون من مختلف القارات ما لذ وطاب، ونحن نقتات على خيرات أرضنا التي أنهكتموها بالأسمدة الفاسدة، والبذور الموبوءة، نحن نحب هذه الأرض ولو وجدنا فرصةً أخرى غير الكرة لإثبات حبنا لرأيتم منا ما يجعلكم تختبئون خلف مكاتبكم الواسعة وغرفكم المسيجة بالحديد خوفًا من هدير أصواتنا.

لم تتركوا لنا فرصةً لنمنحها الحب الذي تستحقه، لكننا لن نضن عليها بالفرح ولو على مباره كرة قدم، نحن نستحق الفرح أكثر منكم، مباركٌ لنا فرحتنا وإن كنتم تقصدونها وترون فيها انشغالًا منا عن جرائمكم وظلمكم، مباركٌ لنا حبنا المتقد رغم الضيق، وأنتم رغم ملامحكم الجامدة، وأعينكم الفارغة، وأفئدتكم المسودة لا تهنئة لكم ولا فرح، فلتدم أفراحنا رغم المحن، ولتكن الكأس من نصيب مصر لا من نصيب من يحكم مصر.

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة