علا علي فهمي
علا علي فهمي
405

العمارة والفنون الإسلامية.. مِداد الراحلين على أجنحة التاريخ

27/4/2017

إلى من يُبحر بأشرعة الحب في سيمفونيات العمارة الإسلامية، ويتجول بدروبها وأزِقتها الخالِدة، ودهاليزها المُدهشة، وجذورها العميقة، والتي ضربت أحشاء الأرض، وتعالت في عنان السماء توحد فالِق الحب والنوى، بديع السماوات والأرض، بفنونها وزخارفها وتراثها الفريد، ومقاييس الجمال الذي بلغ ذروته، والذي دفع الفنان المسلم إلى زخرفة قواعد الأواني وشبابيك القُلة، وزخرفة كل الأجزاء الغير مرئية، عشقاً للجمال وقيمته، والتفاني من أجل إظهار المعمار والفن الإسلامي بأبهى صورة مُمكنة.

لنبدأ رحلتنا القصيرة مع مدينة الصلاة ورِحاب المسجد الأقصى المُبارك قبلة المُسلمين الأولى، لتسبح بروحك وكأنك تعرُج في سماء الإسراء، لتجد نفسك تُكبر الرحمن وتُصلي وتثني على رسول الرحمة محُمد (صلى الله عليه وسلم) الذي أمّ كل الأنبياء والمُرسلين في تلك البقعة الطاهرة المُباركة.

كوكبٍ دُري يتلألأ في الأفق، يمتد نوره إلى حنايا القلوب، فتشعر وكأنك جزء من صورةٍ كونية، لتُنصت إلى تغريد الطيور وعصافير الكناريا وهي تحتضن الأغصان المُتمايلة، وتبني أعشاشها بكل صبرٍ وجلد رغماً عن نيران الحقد والغدر والتهجير، وتلمس بيديك أغصان الزيتون اللامعة، وحبات البُرتقال الناعمة، وتتذوق حلاوة الكنافة والقطايف المقدسية، وتسرح بعينيك في بريق قُبة الصخرة المُذهبة، وزُرقة الفسيفساء المتلألئة وكأنها تتحد مع سماء الإسراء.

ننتقل إلى سحر العمارة الأندلسية وثنايا قصر الحمراء في غرناطة، لتشعر وكأنك تستمع إلى أوتار الناي والعود الشرقي، وألحان الموشحات الأندلسية، تمتزج بحفيف الأشجار، وعبير القرنفل والبنفسج، وأغصان الفل والياسمين المُتمايلة على الأسوار

لنتطرق إلى مصر أم الدنيا حيث تستنشق عبير المسك والعود الذي ينبعث من احتفالات المحمل الشريف، ومراسم نقل كِسوة الكعبة المُشرفة إلى مكة المكرمة، لتستمع إلى الدعاء والابتهالات " لبيك اللهُمَ لبيك" وترى الأعلام تتطاير وتشق سماء الشارع الأعظم "شارع المعز لدين الله الفاطمي" كلوحةٍ مُزدانة بكل ألوان الحياة، بما يحتضنه من مساجد وجوامع تُبارك جانبي الطريق، وأسبله وكتاتيب، وبيوت وقصور أثرية.

لننتقل إلى سوريا الشهباء حيث رحاب المسجد الأموي في دمشق نسيم الشام، لتستنشق عطر الراحلين على أجنحة الفداء، وتُنصت إلى حكايا الوطن والصمود، لتستنشق رائحة الفُستق الحلبي، وأشجار التفاح، وترتدي قلائد وتيجان الفل والياسمين.

لتنتقل إلى سحر العمارة الأندلسية وثنايا قصر الحمراء في غرناطة، لتشعر وكأنك تستمع إلى أوتار الناي والعود الشرقي، وألحان الموشحات الأندلسية، تمتزج بحفيف الأشجار، وعبير القرنفل والبنفسج، وأغصان الفل والياسمين المُتمايلة على الأسوار، وقطرات المياه المُنسابة من نافورات المياه.

أنواع العمارة الإسلامية :
"العمارة الحربية" من الحصون والقلاع والأسوار، والتي بُنيت من أحجار الجبال العاتية، لتحمي مدن وأرواح وقيم وعادات وتقاليد وتاريخ أمم، وما يتخلل تلك الأسوار من أبراج بارزه، وبوابات حديدية شامخة، إلى جانب الفتحات الضيقة، والتي يُطلق عليها "المزاغل" لإلقاء السِهام، و"السُقاطات" لإسقاط الزيت المغلي الذي يشوي أجساد الغُزاة والمعتدين الذين تسول لهم أنفسهم مهاجمة بلاد المسلمين في عهدٍ مضى وليس بالبعيد عنا. 

"العمارة الدينية" من المساجد والجوامع بعناصرها الخلابة، لتبدأ رحلتك الروحانية من بداية مرورك من المداخل المُنكسرة، والدهاليز المُستقيمة والمُلتفة برشاقة، لتلمح بعينيك ملاقف الهواء التي تتخلل أسقفها، ليكسر شعاع النور عتمة المكان، ويعكس ضوء الشمس في خيوط وبقع مُضيئة مُترامية، تزيد المكان جمالاً ورونقاً.

لتطأ بقدميك الفَرِحة الصحن المكشوف وتقع عيناك على فسقية الوضوء "الميضأة" تتوسط الصحن وقبتها التي تقف على أعمدة رخامية، ومن ثم الأروقة الأربعة التي تطل على الصحن، وأهمها رواق القبلة الذي يحتضن المحراب المُرصع بالفسيفساء والصدف، والمنبر وريشتيه المنقوشتين، ودِكة المُبَلِغ في مشهد روحاني بديع.

لتنبهر برؤية الأبواب المُرصعة بالجامات الدائرية والمُفصصة، والحشوات المُكفته بخيوط الفضة، والنحاس الأحمر، والطرز الخشبية، والنوافذ والشمسيات والقمريات المُطعمة بالزجاج الملون والمموه بالمينا.

وزخارف الأرابيسك العربية والأطباق النجمية، والعقود بأشكال العقود المختلفة، كالمُدببة، وحدوة الفرس، والأعمدة وتيجانها المُزركشة، وبراعة الأكتاف المُتلاحمة، والتنانير والثريات التي تتدلى في شموخ من وسط الأسقف المذهبة، والمموهة بالمينا الزرقاء والحمراء، والمُقرنصات المُتراصة في صفوف تنطق بالفن والجمال، والمِشكاوات الزجاجية المموهة بالمينا، لتظل بصمات أنامل ألاف الصناع والفنانين الذين عشقوا الجمال وأثره في النفوس باقية رغماً عن الرحيل.

لننتقل إلى المآذن بأشكالها المختلفة من عصر لأخر بقواعدها المربعة، وأبدانها البرجية، والاسطوانية المزخرفة، وشُرفاتها البارزة، وقممها الكُمثرية، والمخروطية المُدببة كأقلام الرصاص المسنونة، تُبارِك الطريق وتشق السحاب بشهادة التوحيد. والقباب الضخمة المزينة بالنقوش والكتابات القرآنية، لتقف وحيدة أو يلتف حولها أبنائها من القباب الصغيرة، من الجانبين بشكل يعكس التماثل، وتقاسيم المعماري المسلم بكل دقة متناهية.

لننتقل إلى "فنون العمارة الإسلامية" والتي تتجلى في البلاطات الخزفية الملونة، والزخارف بأنواعها الكتابية والنباتية والهندسية، التي تتزين بها الجدران العتيقة، وتيجان الأعمدة، والتي يمتد جمالها إلى جدران الروح فتسكُن الفؤاد. 
 

تقف على عتبات البيوت القديمة، والتي تتدلى من جدرانها العتيقة المشربيات الخشبية التي تنطق بالفن والجمال، لتدخل إلى البيت فتستشعر حنان الجد والجدة وتجاعيد الزمن المنحوتة في جِباهِهم وأكُفّهم الحانية الممدودة بالعطاء

وتتنوع الزخارف النباتية بين الأشجار والنخيل والمراوح النخيلية، والأوراق الرُمحية، وعناقيد العنب، وباقات الزهور، والأغصان المُتداخلة والمُتمايلة بخفة ورشاقة، والورقيات المنثورة، وأشجار السرو المُدببة، وأزهار التيوليب والقرنفل. 

والزخارف الكتابية من الخطوط العربية من النسخ والكوفي بأنواعه كالكوفي المورق والكوفي المربع، وخط الثلث والخط الأندلسي، والتي دون بها الفنان المسلم آيات القرآن الكريم والذكر الحكيم بكل دقه وإبداع ومهارة يعجز اللسان عن وصفها، والزخارف الهندسية من الخطوط والدوائر، والمعينات والأطباق النجمية، وزخرفة الميمات. 

لتقف على عتبات البيوت القديمة، والتي تتدلى من جدرانها العتيقة المشربيات الخشبية التي تنطق بالفن والجمال، لتدخل إلى البيت فتستشعر حنان الجد والجدة وتجاعيد الزمن المنحوتة في جِباهِهم وأكُفّهم الحانية الممدودة بالعطاء، وحكايا الوطن ومقاومة الأعداء، لتعود بالذاكرة إلى صور الطفولة البهية، فتستنشق رائحة عجين الخبز، ورائحة المِسك والعود الذكية، وتتلألأ في عينيك ضوء شموع فوانيس رمضان النحاسية، وتستمع إلى هدير مدفع الإفطار، وتبتهج وكأنك تطير مع رفرفات مراجيح العيد الخشبية. 

إلى المنشآت الخيرية من الأسبلة لسقي الناس وإرواء ظمأهم، والكتاتيب للعلم ودراسة القرآن الكريم والفقه والحديث، والمدارس لدراسة المذاهب الأربعة، والبيمارستان لعلاج المرضى وإدخال السرور عليهم، وأحواض سقي الدواب التي أنهكها طول وعناء الطريق، وقباب دفن السلاطين والأمراء، والمنشآت التجارية من الوكالات والحوانيت المعقودة. 

ستظل العمارة الإسلامية تحمل مشاعل الحضارة والإنسانية وتحكي تاريخ المُسلمين من أوسع الأبواب، وتشهد على إبداع الفنان والمعماري المسلم، وتضرب بجذورها في عُمق التاريخ، وتغرس بذور الجمال في ثنايا القلب، وتملأ خِواء الروح وتروي ظمأها، وترسم رايات الفن والجمال وشمس الصباح، وتطرح حقول الياسمين وأزهار المدائن الثائرة. 

كقبسٍ من نورٍ سرمدي، ومِداد للراحلين، وبقاء لأرواحهم وبصمات أيديهم وحبات عرقهم الممزوجة بالحنين، وستبقى أحجارها العتيقة تمسح الحزن وتلعن الظالمين، لا تُبالي بعبث وحقد العابثين والحاقدين، تُمشط شعر الخِذلان، بل وتُسابق الموت وتهزمه، وتُلوِح لنا بثياب العودة والنصر بخيوطٍ من نور.

شارك برأيك

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة