د. محمود الخطيب
د. محمود الخطيب
503

سلطان الكلمة

27/4/2017
في إحدى دوراتي وقفت إحدى المشتركات تقدم خطابا عن موضوع الكلمة، وكان موضوعها عن أهمية الكلمات التي يقولها المعلمون لطلابهم، وخصوصا إذا كان المعلم يعتبر مثالا أعلى للطالب، قالت إنها ما زالت تذكر كلمة تشجيعية قالها لها الأستاذ في مرحلة الابتدائية قبل 30 سنة، وأن هذه الكلمة قد غيرت نظرتها إلى نفسها بطريقة كلية، وأصبحت ثقتها بنفسها أعلى بكثير.. وقالت إنها اليوم معلمة، ولذلك فهي حذرة جدا في انتقاء الكلمات التي تقولها لطلابها.

إن الأفعال ثمار والكلمات بذورها، فحاول أن تنتقي خير كلماتك من شرورها، إن العنف يبدأ في الرؤوس، تأتي الكلمة تتلوها الكلمة، تزرع فكرا، يتحول حقدا، ينتظر الوقت المناسب ليصبح دما.

نعم إنها قوة الكلمة، والكلمة لا يستهان بها بتاتا، فالكلمة الجارحة كما قال العلماء إنها فعلا تسبب جروحا في الدماغ، وأن الأمر ليس فقط تعبيرا مجازيا، حيث إنها تتسبب في موت خلايا عصبية، ولهذا فإن الشخص المجروح كلاميا يعاني آلاما حقيقية وشعورا سلبيا وإحباطا.

والكلمة قد تحدد مصير الإنسان في الآخرة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ "، وقال أيضا: "إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إليّ فلعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها".

قد تستطيع بسلطان مالك أن تشتري الفقراء.. أن تغري الطموحين، قد تستطيع بسلطان قوتك أن تخيف الضعفاء، لكنك إن زال سلطانك عنهم عاد كل منهم إلى فعله السابق.
يتضح من الحديث أن الإنسان الذي يرتب حديثه ويتفنن في إلقائه له احتمال أكبر أن يقنع الآخرين بحجته، وإن كانت كاذبة، وحتى لو كان الذي يقابله هو رسول مرسل.. وهنا إشارة إلى أهمية أن لا يكتفي الإنسان بصدق حجته، بل عليه أن يبذل جهودا في تقديمها على أفضل وجه، فقد يغلبك من حجته باطلة لحسن تقديم حجته.

وإن أصعب معصية هي ليست الزنا، ولا القتل، ولا حتى الشرك بالله، إنها أن نقول على الله ما لا نعلم، كما جاء في الآية الكريمة حيث تدريج المعاصي من حيث الخطورة: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّـهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ" ﴿الأعراف: ٣٣﴾.

فالله هو خالقنا وهو أدرى بخطورة الكلمة، إنك حين تزني فقد تكون ارتكبت معصية تتحمل أنت وزرها، إنك حين تقتل تكون قد آذيت إنسانا، لكنك حين تدعي أمورا عن الله لم يقلها، فإنك تضر بكثير من الناس، وقد يستمر ضررك إلى أجيال، إن من تفتنه قد تكون قد ضللته فيدخل النار، وإن من تقتله قد يموت مظلوما فيدخل الجنة، لذلك قال تعالى: "وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ" ﴿البقرة: ١٩١﴾.

قد تستطيع بسلطان مالك أن تشتري الفقراء، قد تستطيع بسلطان جاهك أن تغري الطموحين، قد تستطيع بسلطان قوتك أن تخيف الضعفاء، لكنك إن زال سلطانك عنهم عاد كل منهم إلى فعله السابق، لكن إن كان سلطانك هو سلطان الكلمة، فأنت قادر على أن تغيير قناعات الناس ليغيروا سلوكهم وأفعالهم لأنهم اقتنعوا أن هذا في صالحهم، فإن ذهبت عنهم بقوا على ما هم عليه من عادات، وهذا هو فعل الأنبياء.. أنهم لم يملكوا الجاه والمال والقوة، لكنهم ملكوا سلطان.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة