محمد العمر
محمد العمر
832

أوركسترا الشيطان (1): عن دور وأهداف إيران

28/4/2017
في الشرق الأوسط اليوم، ومنذ سنوات عديدة، تشرئب أعناق العالم وآذانه ليستمع بإنصات واهتمام لمعزوفة من أقذر وأبشع ما عرفته البشرية. معزوفة كمانها أزيز الطائرات، وطبلها قذائف المدافع، و الدبابات. جمهورها الملايين من النازحين واللاجئين والمهجرين، من اليتامى والثكالى والأرامل، أما عازفو ألحانها فهم أكثر من أن يحصوا. كل عازف في هذه الأوركسترا المجنونة يعتقد أن لحنه هو الأعذب، فيعلي صوته أكثر وأكثر. فيرد عليه الآخرون بصوت أعلى وأعلى... والنتيجة هي أن يثقب هذا الصوت النشاز المرتفع أغشية طبول قلوب البشر، يقتلع جذورهم ويرميهم على قارعة المجهول. سنتحدث في هذا الجزء من "أوركسترا الشيطان" عن دور أحد العازفين الرئيسيين: عن أيران.

المقدمة:
في الحقيقة، إن انضمام إيران للأوركسترا ليس حديثا. وحتى نستطيع أن نحلل ألحان هذا العازف، لا بد لنا من العودة إلى الأيام الأولى لانضمامه للجوقة... إنه شهر شباط من عام 1979، لذلك، وبما أن الحديث سيطول قليلا، ولن يتسع له المقام هنا، فإننا سنعالجه على مرحلتين إن شاء الله: المرحلة الأولى تتضمن تحليلا لأسباب وأهداف ضم الإسلاميين في إيران للجوقة، مرورا بالمعزوفة الإيرانية العراقية، ووصولا للمعزوفة العراقية الكويتية عام 1990. أما المرحلة الثانية فستعالج دور وأهداف إيران في العراق إبان وما بعد الاحتلال الأمريكي، ووصولا لدور إيران في المعزوفة السورية واليمنية اليوم، وطبيعة علاقاتها مع الغرب وخاصة مع "ضابط الإيقاع".

أولا: الانضمام للأوركسترا
أشرفت الإدارة الأمريكية بشكل مباشر عن طريق الجنرال الامريكي "روبرت هويسر" نائب القائد العام لحلف شمال الأطلسي على تحييد كبار قادة الجيش الإيراني الموالين للشاه خلال الثورة!
على الرغم من العداء العلني المستفحل بين إيران والولايات المتحدة، إلا أن الحقائق التي بدأت تتكشف تشير إلى غير ذلك. فقد أثبتت العديد من الوثائق الأمريكية التي تم الكشف عنها منتصف العام الفائت 2016 بأن "الخميني" كان قد أرسل عدة رسائل من منفاه في باريس إلى إدارة الرئيس الأمريكي جيمي كارتر. فحوى هذه الرسائل تشير إلى التزام الخميني بإقامة علاقات ودية مع الأمريكيين، وتعهده بعدم قطع النفط عن الغرب مقابل تدخل الولايات المتحدة لدى قادة الجيش الإيراني الموالين للشاه لتحييدهم من أجل تسهيل وصول الخميني للسلطة، وهذا ما حصل بالفعل.

فالإدارة الأمريكية أشرفت بشكل مباشر عن طريق الجنرال الامريكي "روبرت هويسر" نائب القائد العام لحلف شمال الأطلسي على تحييد كبار قادة الجيش الإيراني الموالين للشاه ومن ثم الإشراف على إخراج الشاه وعائلته من إيران إلى منفاه منتصف كانون الثاني عام 1979، ومن ثم إعطاء الضوء الأخضر للخميني للاتجاه إلى طهران، حيث أقلته طائرة فرنسية ليتسلم زمام السلطة في إيران (وبالتالي عضوا مستقبليا فاعلا في الأوركسترا).

ثانيا: لماذا دعم الأمريكيون وصول الإسلاميين للسلطة في إيران؟
العديد من التحليلات تناولت هذا الموضوع، ولعل أقربها للمنطق يتعلق بخشية الولايات المتحدة من وصول اليساريين للسلطة وما قد يترتب على ذلك من تحالفهم مع الاتحاد السوفييتي. على الرغم من قبولنا بالمنطق الذي يقوم عليه هذا التحليل، إلا أننا نرى أن إيصال الإسلاميين "الشيعة" إلى سدة الحكم في إيران إنما كان يهدف أيضا وبشكل أساسي إلى إطلاق المعزوفة الدينية السنية الشيعية في المنطقة من خلال إيصال اشخاص عقائديين ومتصلبين إلى سدة الحكم في كل من إيران والعراق.

ومما يدعم وجهة نظرنا هذه، ما أورده عبد الستار الراوي السفير العراقي لدى طهران في عهد صدام حسين من أنه خلال الأسبوع الأول للثورة، وقبل أن تستقر أركانها في إيران أصلا، بدأ راديو طهران يبث نداءات تحريضية تحث العراقيين الشيعة على "العزف" ضد النظام العراقي. كما أن المفكر العراقي "حامد الحمداني" أورد في مقالة له بعنوان "من ذاكرة التاريخ...أسرار وخفايا الحرب الإيرانية العراقية" بأن مساعد وزير الخارجية الأمريكية بزيارة إلى العراق التقى فيها بالرئيس أحمد حسن البكر وبحث معه مطولا الأوضاع في إيران بعد انتصار الثورة واستلام التيار الديني للسلطة هناك، والأخطار التي يمثلها النظام الجديد وضرورة التصدي له بكل "الألحان" الممكنة بما في ذلك "الألحان العسكرية".

الولايات المتحدة الأمريكية كانت تقدم الدعم علنا للعراق، وتقدم الدعم سرا لإيران، وهذا ما توكده فضيحة "إيران كونترا".
لكن الرئيس "البكر" لم يقتنع بالفكرة، فقام المبعوث الأمريكي بترتيب لقاء مع نائب رئيس مجلس قيادة الثورة آنذاك صدام حسين وناقش معه هذه القضايا... وقد أبدى صدام في هذا اللقاء استعداده للعزف.. وبعد فترة وجيزة تم إجبار الرئيس البكر على الاستقالة من كل مناصبه، وأصبح صدام حسين رئيسا للعراق في تموز من عام 1979. أي بعد عدة أشهر فقط من وصول الخميني للسلطة في إيران.

إن تسليم الولايات المتحدة الأمريكية الكمان لصدام حسين، والطبل للخميني لا يعني بشكل تلقائي بأنهما خائنان أو عميلان للولايات المتحدة... فالخميني وصدام رجلان يحمل كل منهما أحلاما "موسيقية" كبيرة، وقد رأت الولايات المتحدة أن تسليمهما الأدوات الموسيقية اللازمة وتمكينهما من مقاليد الأمور سيفتح الباب بشكل تلقائي، أو مع قليل من الدفع والتحريض لبدء العزف الموسيقي بين البلدين، وهذا هو الهدف، وهذا ما حصل بالفعل.

ثالثا: ما هو الهدف الأمريكي البعيد من اطلاق "المعزوفة الإيرانية العراقية"؟
استنادا إلى المعلومات التي أوردناها في مقالنا الأول، فإن المقطوعة الموسيقية التي تعزف في الشرق الأوسط هي من الحان "إسرائيل"، أما ضابط إيقاعها فهي الولايات المتحدة الامريكية. فقد تناولت مجلة "كيفونيم" التي تصدرها المنظمة الصهييونية العالمية في عددها رقم 14 الصادر عام 1982 للكاتب الصهيوني أوديد يونين مقالا عن "الحان" إسرائيل الاستراتيجية في الثمانينيات ومما جاء فيها:

 "ينبغي أن يكون تقسيم العراق وسوريا إلى مناطق منفصلة على أساس عرقي أو ديني، أحد الأهداف الأساسية لإسرائيل على المدى البعيد... والخطوة الأولى تكمن في تحطيم القوة العسكرية لهذين البلدين. بالنسبة للعراق، ذلك البلد الغني بالموارد النفطية والذي تتنازعه الصراعات الداخلية، فهو يقع على خط المواجهة مع إسرائيل، ويعد تفكيكه أمرا مهما؛ بل إنه اكثر أهمية من تفكيك سوريا! لأن العراق يمثل على المدى القريب أخطر تهديد لإسرائيل".

"ينبغي أن يكون تقسيم العراق وسوريا إلى مناطق منفصلة على أساس عرقي أو ديني، أحد الأهداف الأساسية لإسرائيل على المدى البعيد..."مقال للكاتب الصهيوني أوديد يونين".
في هذا الإطار بالتحديد يمكننا تفسير إصرار الولايات المتحدة الامريكية، بضغط من اللوبي الموالي لإسرائيل في واشنطن، على دعم وتحريض قيام واستمرار المعزوفة الإيرانية العراقية لثماني سنوات.  وفي هذا الإطار أيضا نستطيع تفسير الدعم الذي كانت تقدمه الأطراف الدولية لكل من العراق وإيران من أجل الاستمرار في العزف دون تحقيق شيء ملموس على الأرض لصالح أي منهما (الحرب انتهت كما بدات بالفعل).

فالولايات المتحدة الامريكية كانت تقدم الدعم علنا للعراق وتقدم الدعم سرا لإيران، وهذا ما توكده فضيحة "إيران كونترا" والتي أثبتت تورط إدارة الرئيس ريغان ببيع إيران أحدث أنواع "الطبول والبيانوات والدربكات" عام 1985 ونقلها إلى إيران بالتعاون والتنسيق مع "إسرائيل"، وذلك على الرغم من الحظر الأمريكي الرسمي على بيع هذا النوع من "الآلات الموسيقية" لإيران وتصنيفها دولة راعية للإرهاب وعدوة للولايات المتحدة!!

لم تستطع المعزوفة الإيرانية العراقية التي امتدت لثمان سنوات عجاف أن تثقب غشاء الطبل العراقي، لذلك كان لا بد من إكمال المهمة بوسائل أخرى، وفي هذا الاطار يندرج إطلاق المعزوفة العراقية الكويتية، والذي جاء بعد سنتين تقريبا على نهاية المعزوفة الإيرانية العراقية. يتبع في الجزء الثاني إن شاء الله...

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة