مختار الحدري
مختار الحدري
223

قراءة في درس "خان شيخون"

30/4/2017
نحن يا أمة المليار حلَت علينا الرزايا بألوانها، فصبرنا حتى ملً الصبر عنا، واستجرنا من الرمضاء بالنار فزاد لنا حرقا، وطلبنا حماية حرامينا فزادوا لنا رهقا، وبعد ذلك كله لم نفق من الغاشية بل تنازعنا وتقاتلنا وتقاسمنا ونسينا أن أصل البلاء ما بيننا ولم نتعلم شيئا من الدروس الماضية.


أما درس اليوم الذي كان من ضمن دروس مادة الكيمياء الفتاك قد كتب عنوانه بالسموم القاتلة ويتحدث عن حادثة حدثت في مدينة خان شيخون من أرض الشام ليعبر لنا صاحب تلك الفكرة الملعونة (بشار) الجزار صاحب أكبر مسلخ بشري على مستوى العالم أنه من الممكن أن نفارق أرواح أحبابنا وأطفالنا جملة واحدة، دون أن تصل إليهم شظايا البراميل المتفجرة و القنابل الطائشة أو تصبهم أي جروح على أبدانهم!.


وفي هذه اللحظات التي نودع إخواننا، وعلى آثارهم نسكب أدمعنا، كما نقدم أحر التعازي لأنفسنا، ها نحن ننسى غدا كأن لم يكن ما حدث شيئا مذكورا، ولهذا أود أن أضع بين يديكم بعضا من مواعظ هذا الدرس، حتى تفيد لنا عبرا كما يقول بن دريد: 

من لم تفده عبرا أيامه : : كان العمى أولى به من الهدى.


تعلمت كيف تمزق جسد الأمة المسلمة التي كانت يوما من الأيام لها جسد واحد، وأصبح كل عضو يشتكي وحده دون أن يتداعى باقي الأعضاء بالسهر والحمى، وكيف أصبح هذا الجسد لقمة سائغة لكل الوحوش، وكما يقول المثل الصومالي "تذبح النعجة الحمقاء بحيث تضع نفسها".

تعلمت من هذه الفاجعة كيف تموت الإنسانية في قلوب الطاغية، إذا ما تعود شرب الدماء وكسر العظام ونهش لحوم البشر، حتى يتحول من آدميته إلى وحش من الوحوش التي يخيل إلى هيئته أنه إنسان.. تعلمت كيف تمزق جسد الأمة المسلمة التي كانت يوما من الأيام لها جسد واحد، وأصبح كل عضو يشتكي وحده دون أن يتداعى باقي الأعضاء بالسهر والحمى، وكيف أصبح هذا الجسد لقمة سائغة لكل الوحوش، وكما يقول المثل الصومالي "تذبح النعجة الحمقاء بحيث تضع نفسها".


تعلمت كيف تقتنع العقول بكل بساطة أن يحدد لهم أخاهم ويصنع لهم عدوهم، ويقسم أرضهم بينهم بخطوط وهمية في الخريطة، حتى يصير الجسد الواحد أشلاء لا تتحرك ساكنا مهما حدث.. 
تعلمت من هذه الفاجعة أن العقول النيرة تحبسها الحدود ولكن الغباء ليس له حدود، فالمجرمون اليوم ملة واحدة تجمعهم قسوة القلب أو بالأحرى قرة العين حين تراق دماء الضحايا مخضبة بالشوارع، أو لذة المشهد حين يحطًم طفل رضيع بأنقاض منزلهم، وحين تُحوَل ضحكته الحنونة بالغازات السامة إلى العدم، "يا ويلي ما هذا القرف؟!!


تعلمت أن أرواح أطفالنا الطيبة وما يملكون من البسمات الخالصة ما هي عند الجزار بشار سوى حشرات تلوث المسلخ وتزعجه من العمل عندما يسلخ الناس أحياء، وبهذا يرى أن ليس لهم حق الوجود وليس لهم إلا أن يبادوا.. كيف
 أن العالم الذي يَقْدُمه القوى العظمى ويمثله الأمم المتحدة ليس سوى عملة ذات وجهين، فعندما يعبر عن القلق أو أسفه الشديد لما حدث، يضحك في وجهه الآخر حتى النواجذ، بأن الأمور تجري على ما يريد، وهذا إذا ندد!.


وتعلمت أيضا أن لنا وجه واحد مجرد من كل أسباب نصر الله، عاملا ناصبا من دون جدوى، يزينه قبح البلايا، وعبأ الرزايا واقفا كل يوم على عتبات ذلك العالم كي نلح به دعوة للتنديد على الأقل، فمادام لا نتوقع -أو من المستحيل طبعا- أن يجمع جنده ويكشف الضر عنا، وإن من وقاحتنا أن نشكوا إليه حتى بما فعله نفسه بدون خفاء.


ومع الأسف الشديد، نتعلم أخيرا بعد أن طفح الكيل و بلغ السيل الزبى، وأيقن كل الضحايا بالهلاك، أن أصل البلايا ما بيننا وأن لا ملجأ يعصمنا إلا الرجوع إلى مالك الملك ذي الجلال والإكرام، وفي الختام:

سَقَى اللهُ أَهلَ الشَّامِ بِالنّصْرِ صَافِياً
وبِـالصّبْرِ فِـي الـبَلوَى وبِـالعَزْم مَاضِيا
فَـطُـوبَى لَـكـمْ يَــا خِـيْـرةَ الله بَـيْـنَنَا
ويَـا صَـفْوةَ الـرَّحمَنِ فِـي أرْضِ آسِيَا

شارك برأيك

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة